بإعتباره موضوعا هاما من مواضيع العلاقات الدولية، حظي موضوع التسلح، وبأبعاده الأربعة:ضبط، ونزع، وحظر، وسباقات التسلح، باهتمام كبير، من قبل علماء العلاقات الدولية. ونجم عن ذلك: القيام بأبحاث علمية مكثفة في هذا المجال، والخروج بـ “نظريات” علمية عدة، تفسر كل ابعاد التسلح، وما يتعلق به من أمور، خاصة بهذه الابعاد الاربعة. ولا شك أن هذه النظريات تسهم في فهم التسلح وحظر التسلح، وتساعد في التعامل مع هذا الموضوع بدراية وفعالية.
ولسنا هنا بصدد ذكر هذه النظريات، أو شرح احداها. ولكن، لزمت الإشارة أن هناك نظريات تشرح، وتفسر عمليات الاشراف على التسلح هذه، من حيث كونها شاملة، أو جزئية، ثنائية، أو متعددة الأطراف، أفقية الهدف، أم رأسية الهدف، منفردة، أو متبادلة النزع… الخ. ودائما ما يثير نزع وضبط وحظر التسلح الكثير من المخاوف من تعريض الامن القومي للدول لأخطار جسيمة، بسبب ضعف الثقة فيما بين الدول المختلفة، وقدرة التطور التقني في صناعة الأسلحة العسكرية على الغاء أي ميزة من مميزات ضبط ونزع وحظر التسلح، لصالح هذا الطرف، أو ذاك، وضد هذا الطرف، أو ذاك.
ورغم أن عمليات ضبط، ونزع، وحظر، وسباق التسلح، هي عمليات خطيرة وهامة في العلاقات الدولية، إضافة الى صعوبة، وأحيانا استحالة، تحققها في أرض الواقع، بسبب صعوبات جمة، وعقبات كأداء معروفة، فان هناك “دوافع” … تحض على القيام بهذه العمليات، لما لها من فوائد جمة، تنعكس بالإيجاب على الامن والسلم الدوليين. وبإمكاننا هنا، أن نوجز أهم “دوافع” نزع السلاح، أو ضبطه، فيما يلي: الدوافع الاقتصادية: يتطلب التسلح تخصيص موارد وأموال كبيرة لشراء الأسلحة المختلفة، والتسابق للحصول على أحدثها. ومعروف، أن تطور صناعة الأسلحة يتصاعد يوما بعد يوم. وما هو سلاح جيد اليوم قد يصبح غير فعال غدا، بسبب هذا التطور، والذي تعنى مجاراته تحمل أموال طائلة، للحصول على الاحدث، و”الأفضل” من الأسلحة. والأولى، بالطبع، تخصيص هذا الانفاق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين معيشة الناس، خاصة في البلاد النامية، بدل هدره على أدوات القتل والتدمير، التي هي، في الغالب، عبارة عن مكائن، قابلة للتحول الى خردة..
والأهمية الاقتصادية هنا تتمثل في إعادة توجيه الانفاق العسكري، الذي لا مردود اقتصادي يذكر منه، الى تمويل مشاريع تطوير البنى التحتية، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فذلك أجدى للدول،خاصة ان تمكنت من إقرار السلام والتعاون فيما بينها، بدل الصراعات والحروب.
الدوافع الأمنية: ان محاولات منع الحروب تنصب على عدة أوجه، منها الاتجاه مباشرة نحو “أدوات” القتل والتدمير (الأسلحة) والعمل على ضبطها، أو حظرها، أو نزعها، بناء على افتراض أن التخلص من الأسلحة، أو تقليصها، يقلل من الميل الى اللجوء للعنف، وشن الحروب. كما ان مبادرة دولة بامتلاك أسلحة أقوى، يولد المخاوف لدى خصومها، ويدفعهم لامتلاك نفس الأسلحة، أو أقوى. وهذا ما قد يسرع اندلاع الحروب بين الأطراف المتسابقة. والواقع، ان ضبط وحظر ونزع الأسلحة لا يكفي لوقف الصراعات والحروب الدولية، بل لابد – كما يرى كثير من علماء العلاقات الدولية- من إزالة أسبابالصراعات الدولية… التي غالبا ما تدفع لحيازة الأسلحة، والتسابق عليها، ومن ثم اشعال الحروب.
المساهمة في حفظ الامن والسلم الدوليين: يكاد يجمع علماء وخبراءالعلاقات الدولية على أن تواجد نظام الدول ذات السيادة، هو- في حد ذاته- المسبب الرئيس والأول، للصراعات والحروب الدولية. وان “الأسباب” الأخرى للصراعات والحروب الدولية ما هي الا تفرعات للمسبب الرئيس. وطالما استمر هذا النظام قائما، فمن الطبيعي والمتوقع، أن تكون هناك صراعات وحروب دولية. ومع التسليم بصحة هذه المقولة، نجد أن ضبط وحظر ونزع السلاح الفعلي، قد يخفف من حدة الصراعات والحروب الدولية، ويسهم في تقليص الميل نحو العنف، واستخدام القوات المسلحة. الامر الذي ينعكس بالإيجاب على الامن والسلم الدوليين، ويدعم الوفاق الدولي، وربما يحفز على التعاون الدولي.
الدوافع الإنسانية: تتسبب الحروب اليوم، كما هو معروف، في احداث دمار شامل وهائل، وإنزال درجة عالية من القتل والتدمير والتخريب، ببعض، أو كل أطرافها. وهذه الدرجة تفوق كل ما كانت عليه الحروب في الماضي. ففي ظل استخدام الأسلحة التقليدية، عانت البشرية من كوارث بشعة لا حصر لها. فما بالنا عندما تستخدم أسلحة الدمار الشامل، وخاصة النووية، في حروب اليوم؟! وغالبا ما تكون الضحية الكبرى للحروب هي المدنيين الأبرياء.
ان عمليات ضبط وحظر ونزع ووقف التسلح، تقلل من كميات الأسلحة الموجودة في حيازة الدول. ويمكن أن يؤدى ذلك، كما هو مأمول، الى تخفيف الاندفاع نحو شن الحروب، ودعم استتباب التعاون، والسلام فيما بين الدول. فان نفذت هذه العمليات الاربع بالفعل، وبصدق ونوايا حسنة، فانه يمكن أن ينتج عن ذلك تقليص دافعاللجوء للعنف، وتقليل الميل للقتل والتدمير، رأفة بالبشر، وعدم العبث بأرواحهم، وحمايتهم من الهلاك.
*********************************************
