السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

قصص من القرآن الكريم..”قصة سيدنا خضر مع النبي موسى عليه السلام”

عصف الأخبارية-عبيرالقرني

من أكثر هذه القصص إثارة للتأمل والدهشة هي قصة الخضر مع نبي الله موسى عليه السلام، والتي وردت في سورة الكهف.

1. السياق والبداية: طلب العلم

بدأت القصة عندما سُئل موسى عليه السلام: “من أعلم أهل الأرض؟” فقال: “أنا”، ظنًّا منه أنه لا يوجد من يفوقه علماً كونه كليم الله. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، وأوحى إليه أن هناك عبداً في مجمع البحرين هو أعلم منه.

* الهدف: التواضع وطلب العلم مهما بلغت منزلة الإنسان.

* الرفيق: انطلق موسى مع فتاه (يوشع بن نون) في رحلة شاقة للبحث عن هذا العبد الصالح.

2. اللقاء والشروط

التقى موسى بالعبد الصالح (الخضر)، وطلب منه أن يرافقه ليتعلم منه. فوافق الخضر ولكن بشرط واحد:

“قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا”

كان هذا اختباراً لـ الصبر والانضباط، وهو ما وجد موسى صعوبة في الالتزام به أمام أحداث تبدو في ظاهرها “منكرة“.

3. الأحداث الثلاثة (الظاهر مقابل الباطن)

تضمنت الرحلة ثلاث محطات رئيسية، صدمت المنطق البشري لموسى عليه السلام:

الأولى: خرق السفينة (العيب الذي يحمي)

بدأت الرحلة بركوب سفينة لمساكين يعملون في البحر، وقام الخضر بخرقها وإتلاف جزء منها.

* رؤية موسى: تعجب واستنكر بشدة، فالفعل في ظاهره إفساد للممتلكات وتعريض حياة الركاب للغرق.

* الحقيقة الغيبية: كان هناك ملك ظالم في تلك المنطقة يصادر كل سفينة صالحة وجيدة من أصحابها. فكان “العيب” الذي أحدثه الخضر هو السبب الوحيد لنجاة السفينة وبقائها في يد المساكين، لأن الملك سيتركها لشأنها عندما يراها تالفة.

الثانيه:قتل الغلام (الرحمة الخفية)

في المحطة الثانية، لقي الخضر غلاماً صغيراً فقتله، وهو ما صدم موسى عليه السلام.

* رؤية موسى: اعتبره جريمة نكراء وقتلاً لنفس زكية بغير حق، ولم يستطع الصبر أمام هذا المشهد.

* الحقيقة الغيبية: هذا الغلام كان سيشب كافراً وطاغياً، وكان سيذيق والديه المؤمنين العذاب والطغيان بسببه. فأراد الله أن يقبضه صغيراً رحمةً بالوالدين، وليبدلهما ولداً خيراً منه زكاة وأقرب رحماً.

الثالثه: بناء الجدار (جزاء الإحسان في بيئة اللؤم)

وصل الاثنان إلى قرية رفض أهلها ضيافتهما وإطعامهما، وبينما هما فيها وجد الخضر جداراً يوشك على الانهيار فبناه وأصلحه.

* رؤية موسى: استغرب أن يقوم الخضر بعمل شاق ومجاني لقوم لم يحسنوا استقبالهما، واقترح عليه أن يأخذ أجراً ليسد به جوعهما.

* الحقيقة الغيبية: هذا الجدار كان يخبئ تحت منه كنزاً لغلامين يتيمين في المدينة، وكان والدهما رجلاً صالحاً. فلو سقط الجدار لظهر الكنز وسرقه أهل القرية اللئام، فأراد الله بقاء الجدار قائماً حتى يكبر اليتيمان ويستخرجا كنزهما بفضل صلاح والدهما.

الحكمة من هذا:

في كل موقف، كان الخضر يتصرف بناءً على علم لدني (من عند الله)، بينما كان موسى يحاكم الأفعال بناءً على الشرع والظاهر، مما يثبت أن حكمة الله قد تخفى خلف ما نراه شراً أو غير منطقي

4. الدروس والمستفادات من القصة

هذه القصة هي مفتاح لفهم القدر الإلهي وكيف يدبر الله الكون:

* علم الإنسان محدود: نحن نحكم على الأمور بظاهرها (ما نراه الآن)، بينما الله يدبر الأمور بباطنها وما سيحدث مستقبلاً.

* الشر النسبي: أحياناً يقع بلاء (خرق السفينة) ليكون سبباً في نجاة من مصيبة أكبر (ضياع السفينة بالكامل).

* بركة الصلاح: صلاح الآباء يحفظ الأبناء حتى بعد رحيلهم، كما حدث في قصة الجدار (“وكان أبوهما صالحاً”).

* أدب المتعلم: الصبر على المعلم والاعتراف بالخطأ عند التقصير.

5. الخلاصة

قصة الخضر وموسى تعلمنا أن “اللطف الإلهي” غالباً ما يتخفى في ثياب “المكاره“، وأن التسليم لله هو قمة العقل، لأننا ببساطة لا نرى الصورة كاملة كما يراها الخالق سبحانه.

عبير القرني

عبير القرني

8412 مقالة
منضم منذ 27 أبريل 2024

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *