عصف الأخبارية-سمر دمنهوري
الصومُ يهذب الأخلاق، ويصفِّي النَّفس، ممَّا يَعلَق بها مِن خِصالٍ سَيِّئةٍ، ويروِّضها على اكتِسَاب ِ الخِصالٍ الطَّيِّبةِ.
الصومُ يمنَعُ مِنَ الكَذِب
ففي صحيحِ البخاريِّ عن أبي هُرَيرةَ رَضِي اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن لَم يَدَعْ قَول َ الزُّورِ والعَمَل َ به فليس للهِ حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشَرابَه)).
والمرادُ بقولِ الزُّورِ: الكذب، والمرادُ بالعملِ به: العمل ُ بمُقتضاه. لإضحاكِ المُشاهِدينَ، أو اختِلاق ِ الأخبارِ لإثارةِ إعجاب ِ النَّاسِ، وهُناكَ الآن بَرامِجُ وحسابات ٌ ومقاطعُ إعلاميَّةٌ كثيُّرةٌ جِدًّا قائِمةٌ أساسًا على التَّفَنُّنِ في تَقديمِ أنواعٍ مِنَ الكَذب، كصنعِ الفُكاهةِ لتُّرويجِ سُوقِها، فليكُنِ الصائمُ على حَذَرٍ مِن ذلك.
الصومُ يدْعو إلى الصدق
وأوَّل ُ ما يتعَلَّمُه الصائِمُ في شأنِ الصدق ِ هو صدقُه مع اللهِ تعالى؛ فالصيامُ عَمَل بَينَ العَبدِ ورَبِّه، وبإمكانِه أن يدَّعيَ الصيامَ، ثمَّ يأكُل َ خُفيةً، والصومُ مُعِينٌ على الصدق ِ في الأعمالِ؛ فالصائِمُ يكونُ متقَرِّبًا بصيامِه لمعبودِه، ومُصدِّقًا بما عندَ اللهِ مِن المثوبةِ، مبتَعِدًا عن التَّلطُّخِ بالذُّنوب، مُقبِلا ً بكامِلِ قَلبِه على اللهِ، وبذلك يتطابَق ُ ظاهِرُه وباطِنُه، فيكونُ صادِقًا.
والصومُ يَحمِل على العِفَّةِ
قال اللهُ تعالى: يأَيُّهَا ٱلَّذِين َ ءَامَنُواْ كُتِب َ عَلَيۡكمُ ٱلصيَامُ كَمَا كُتِب َ عَلى ٱلَّذِين َ مِن قَبۡلِكمۡ لَعَلَّكمۡ تَتَّقُون َ [البقرة: 183].
فبين َّ اللهُ سُبحانَه أنَّه كَتَب علينا الصيامَ لتحقيق ِ التَّقوى بتُّركِ الشَّهَواتِ، فيتُّرَبَّى الصائِمُ بصومِه على العَفاف .
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِي ِ َ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يا مَعشْر َالشَّباب مَنِ استطاع منكم الباءةَ فلْيتزَوَّجْ؛ فإنَّه أغَض للبَصر وأحصنُ للفَرجِ، ومَن لَم يستَطِعْ فعليه بالصومِ))، يعني: أنَّ مَن لَم تكُنْ عِندَه مُؤنةُ الزَّواجِ فلْيَلزَمِ الصومَ؛ فمَن اعتادَه سَكَنَت ْ شَهوتُه؛ لأنَّ شَهوةَ النِّكاحِ تابعةٌ لشَهوةِ الأكلِ؛ فإنَّه يَقْوى بقُوَّتِهِا، ويَضعُفُ بضعْفِها، كما أنَّ الشَّيطانَ يَجري مِن ابنِ آدَمَ مَجرى الدَّمِ، والصومُ يُضيِّق ُ تلك المجاريَ.
الصومُ يُعَلِّمُ الصبَرَ.
وقد سمَّى النَّبيُّ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم رَمَضانَ شَهرَ الصبَرِ، فصحَّ عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِي ِ َ اللهُ عنهما أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((صومُ شَهرِ الصبَرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كُل ِّ شَهرٍ، يُذهِبْنَ وَحَرَ الصدرِ))، فالصومُ يَجمَعُ أنواعَ الصبَرِ الثَّلاثةَ؛ فإنَّ فيه: صبَرًا على طاعةِ اللهِ، وصبَرًا عن مُحارِمِ اللهِ كالمُفطِّراتِ، وصبَرًا على أقدارِ اللهِ المُؤلمِةِ، كالحِرمانِ مِن الجُوعِ والعَطَشِ. وفي امتِناعِ الصائمِ عن الرَّدِّ على مَن سابَّه أو قاتَلَه صبَرٌ أيضا، فإنَّه يَحبِس ُ نَفسَه، ولا يندَفِعُ للانتِقامِ، ولا يُقابِل ُ الإساءةَ بالإساءةِ. ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسن فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَك َ وَبَيۡنَهُۥعَداوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَليٌّ حمِيمٞ فيَنال الصائِمُ بإذنِ اللهِ جزاءَ الصابِرينَ، الَّذين يقول ُ اللهُ فيهم: إِنَّمَا يُوَفى ٱلصبِرُون َ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِساب ٖ [الزمر: ]، فالصومُ يملأُ القَلب َرحمةً ورِقَّةً وعطفًا، والمسلمُ الَّذي يتقلب في رفاهيةٍ مِنَ العَيشِ ولا يَنقُصه شَي ءٌ مِن المَطعَمِ والمَشْرَب والمَلبَسِ والصومُ يَحمِل على الاتِّصاف ِبالرَّحمةِ والرَّأفةِ والشَّفقةِ، والمَسكَنِ، حينَ يُقاسِي ألَمَ الجُوعِ والعَطَشِ، ومرارةَ الحِرمانِ أثناءَ صومِه، ويَستَشعِرُ معاناةَ غيُّرِه، يَستثيُّرُ ذلك في نَفسِه الشَّفَقةَ، ويَحمِلُه على تذكُّرِ إخوانِه المحتاجِينَ، وتفَقُّدِهم ورعايتِهم، والتَّصدُّق ِ عليهم.
