عصف الأخبارية–سمر دمنهوري
إن الصوم والأخلاق قرينان، والصلة بينهما وثيقة جداً، ففي الصوم تهذيب للأخلاق، وفية تصفية مما يعلق بالنفس من خصال سيئة، وترويضها على اكتساب خصال حسنه، ثبَت عن أبي أُمامةَ رَضِي ِ َ اللهُ عنه أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ الرَّجُل َ ليُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه دَرَجةَ القائمِ باللَّيلِ، الظَّامِئِ بالهواجِرِ)). وقد اجتَمَع الثَّلاثةُ في رَمَضانَ: الصومُ، وقيامُ اللَّيلِ، وحُسنُ الخُلُق، فما أعظمَ رَمَضانَ! وما أعظَمَه مِن غنيمةٍ! وصحَّ عن أبي هُرَيرةَ رَضِي ِاللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((رُب َّ صائمٍ ليس له مِن صيامِه إلا َّ الجوعُ، ورُب َّ قائمٍ ليس له مِن قيامِه إلا َّ السَّهرُ)).
وهذا مُحمول ٌ على مَن صام ولَم يخلِصِ النِّيَّةَ، أو لَمَ يتجنَّب الكَذِب َ والبُهتانَ والغِيبةَ، ونَحوَها مِن المَناهي؛ فيَحصل ُ له الجوعُ والعطش ُ ، ولا يَحصل ُ له الثَّواب ُ ، أو هو الذي يُفطِرُ على الحَرامِ ولا يَحفَظُ جَوارِحَه عن الآثامِ.
الصومُ يَمنَعُ مِنَ الرَّفَث، ففي الصحيحينِ عن أبي هُرَيرةَ رَضِي ِ َ اللهُ عنه أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وإذا كان يومُ صومِ أحَدِكم فلا يَرفُث ْ )). والرَّفَث: هو الكَلامُ البذيءُ الفاحِش ُ ، فالصائِمُ يَحفظُ صيامَه، ويصونُ لِسانَه، وخصوصا مع كثرةِ الفُحشِ والتَّفَحُّشِ في عصرنا. فالألفاظُ النَّابيةُ والنِّكات ُ البَذيئةُ غَدَت فاكِهةَ المَجالِسِ، وصارَت شَيئًا مُتَداوَلاً مألوفًا في وسائِلِ التَّواصلِ الاجتِماعيِّ وبَعضِ البَرامِجِ الإعلاميَّةِ دونَ حياءٍ!
الصومُ يمنَعُ مِن التَّشبُّهِ بالجاهِلين والسُّفهاء
روى الشَّيخانِ عن أبي هُرَيرةَ رَضِي ِ َ اللهُ عنه أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((الصيامُ جُنَّةٌ، فلا يَرفُث ْ ولا يَجهَل ْ ))، أي: لا ينبغي أن يفعَل َ شَيئًا مِن أفعالِ أهلِ الجَهلِ، كالصياحِ، فتُّراه مبتَعِدًا عن السَّفَهِ والهَمَجيَّةِ، متأدبًا بآداب ِ الإسلامِ، مُحتَفِظًا بهدوئِه ووَقارِه، وفي الصحيحينِ عن أبي هُرَيرةَ رَضِي ِ َ اللهُ عنه أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وإذا كان يومُ صومِ أحَدِكم فلا يَرفُث ْ ولا يَصخَب ْ )).
فنهى عن إحداثِ الضجَّةِ والصياحِ أثناءَ المجادَلةِ أو الخِصامِ ونَحوِهما، وإنَّ مِن المؤسِف أنَّ الصيامَ يرتبطُ عندَ البَعضِ بالشْراسةِ والعَصبيَّةِ، وحِدَّةِ الطَّبعِ وتعَكُّرِ المِزاجِ. فلْنعمَل ْ على إلغاءِه، والصومُ يمنَعُ مِن المقاتَلةِ والشِّجارِ والسِّباب ِ ، ويدعو إلى التَّخَلُّق بالحِلمِ وكَظمِ الغَيظِ والعَفوِ والصفحِ، فقد روى الشَّيخانِ عن أبي هُرَيرةَ رَضِي ِ َ اللهُ عنه أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((… فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتَلَه فليَقُل ْ : إني ِّامرؤٌ صائمٌ)).أي: فلْيُعْلِنْ بلسانِه ذلك لِيَكُفَّ خَصمُه عنه، فيكون قولُه هذا متضمِّنًا لِنَهيِه عن الشَّتمِ، ولتوبيخِه عليه.قال اللهُ تعالى: خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡف ِ وَأَعۡرِض ۡ عَن ِ ٱلۡجهِلِين َ [الأعراف: 199]. ثمَّ أمَر اللهُ تعالى نبيَّه صلى َّ اللهُ عليه وسلَّمَ أن يأمُرَ النَّاس َ بالمَعروف ِ -وهو الَّذي يُقِرُّه الشْرعُ والفِطَرُ السَّليمةُ، وتطمئِنُّ إليه.
الصومُ يَحمِل ُ على سلامةِ الصدرِ. صحَّ عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِي ِ َ اللهُ عنهما أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((صومُ شَهرِ الصبَرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كُل ِّ شَهرٍ، يُذهِبْنَ وحَرَ الصدرِ)). ((تُفتحُ أبواب الجنَّةِ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ،فيُغفَرُ لكُل ِّ عَبدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيئًا إلا َّ رجُلا ً كانت بَينَه وبَينَ أخيه شحناءُ، فيُقال ُ : أنظِروا هذينِ حتَّى يَصطَلِحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يَصطَلِحا، أنظِروا هذينِ حتَّى يَصطَلِحا)).فالأعمال تُعرَض على اللهِ تعالى يومَ الاثنينِ والخَميسِ، وكان النَّبيُّ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم يَحِب ُّ أن يُرفَعَ عَمَلُه وهو صائمٌ، كما صَحَّعن أسامةَ بنِ زَيدٍ رَضِي ِ َ اللهُ عنه، بخِلاف مَن يُرفَعُ عَمَلُه وهو في عَداوةٍ مع أخيه المُسلِمِ، وخصوصاً إذا كان مِن أرحامِه. وممَّا يدُل ُّ على خُطورةِ المُخاصمةِ وأنهَّا سبَب ٌ في الحِرمانِ مِن الخَيُّرِ ما رواهُ البُخاريُّ عن عُبادةَ بنِ الصامِت ِ رَضِي ِ َ اللهُ عنه، قال: ((خرَج النَّبيُّ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم ليُخبَرنا بلَيلةِ القَدرِ، فتلاحى رجُلانِ مِن المُسلِمين، فقال: خرَجت ُ لأخبَركم بلَيلةِ القَدرِ، فتلاحى فُلانٌ وفلانٌ، فَرُفِعَت)).فخرَج صلى اللهُ عليه وسلَّم ليُخبَرَهم بلَيلةِ القَدرِ أيُّ لَيلةٍ هي، فوجَد رجُلينِ يَتخاصمانِ ويَتَنازَعانِ، فرُفِع العلمُ بوقتِها.
