الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

عن إشكالية “القيم” في السلوك السياسي …؟!

“القيم” ( Values)، ومفردها “قيمة”، أو مبدأ، هي صفة يتسم بها البشر، دون غيرهم من المخلوقات… محاولين التمسك بها، والعيش وفقها. ومعناها هنا : “الأهداف” الاسمى التي يسعى الناس لتحقيقها، ونبذ ما يعارضها، والمبادئ التي يجب أن تسير عليها البشرية، في نظرهذا الطرف، أو ذاك. والقيم هي من موجهات ومحددات السلوك الإنساني، الكائن، والذي يجب أن يكون.
وهي، في الغالب، صفة مكتسبة، ومرتبطة بنفسية الانسان، وبمشاعره وميوله. وهي ذات منطق جدلي بين الناس، لان معظمها قد يحتمل الحق، ويحتمل الباطل، في ان واحد. وغالبا ما تكون (بضم التاء) عبر الأديان، والاقتناع الذاتي لكل شخص. فمصادرها الرئيسة هي الأديان، واعمال العقل، والبيئة الاجتماعية. والقيم السياسية هي، بالتالي، المبادئ التي يسير عليها السلوك السياسي لطرف معين، وتلك التي يجب – في رأي الطرف المعني- أن يسير عليها، وبموجبها.
****
إن “الاختلاف” بين الناس هو أحد سنن الكون الثابتة. فالبشر كلهم بشر، تجمع بينهم خصائص عامة مشتركة. ولكن كل منهم مختلف عن الآخر، قليلا، او كثيرا، و له “خصوصية” معينة، أو يمكن تعيينها، خاصة به وحده. كذلك “الجماعات”، و”الدول”، و”الأمم” (الحضارات) المختلفة. فالانسان يتجسد في عدة صور (إنسانية حية)، من أهمها: الفرد، الجماعة، الحزب، التنظيم، الشعب، الامة…الخ. إن من أهم نتائج هذا “الاختلاف” هي: تنوع قيم الحضارات واختلافها عن بعضها. كلها حضارات إنسانية… و لكن كل منها مختلف (ماديا ومعنويا وقيميا) عن الآخر، بعض الشي، و له خصوصيته، كما للفرد.”الخصوصية” ليست حكراً على بشر، دون سواهم …
ومن الطبيعي، أن ينتج عن ذلك “الاختلاف” خلاف، أو صدام، أو تعاون وتحاب، بين الأفراد والجماعات والدول والأمم. فاختلاف القيم، بين الناس، يسبب اما التعاون بسبب تشابه القيم، أو الصراع، بسبب اختلافها. ووجود امكانية “التعاون” ـ ووجوبه، في معظم الحالات ـ يحتم على عقلاء البشر ـ في أي صورة ظهروا أو تجسدوا ـ أن يستغلوه لمصلحتهم، وأن يتحاشوا وصول الصراع (الخلاف والاختلاف) إلى المستويات الساخنة … التي قد يسفر الوصول إليها عن : إلحاق أضرار فادحة بكل ـ أو معظم ـ أطراف العلاقة المعنيين. فمن مصلحة الجميع غالبا ان يلجؤا للتعاون، ما استطاعوا، ويجنحوا للسلم ما أمكن. لأن الصراعات والحروب، في الغالب، وبالا على أطرافها.
ومن الطبيعي أيضاً، أن “تسود” الأمم الأقوى، بمعنى القوة الشامل. ولكن حتى هذه السيادة قد تكون شكلية أو عابرة، أو ضعيفة، ويجب أن لا تلغي الاخر، والأمم الأخرى، التي تملك مقومات الأمة. أما الأمم والكيانات المصطنعة، فمن المنطقي أن تنهار، عند النـزال الحقيقي… وتتحول إلى أمم شتي أصغر … أو ينصهر بعضها في الأمم الغالبة ـ كما قال ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة.
****
والدين الإسلامي الحنيف يحض على التعاون والسلام، ويرفض العدوان … ويقيد الصراع، بقيود و ضوابط كثيرة. فأساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم يجب أن يكون ـ في رأي غالبية فقهاء الإسلام الصحيح ـ هو : التعاون، لا الصراع … من هذا المنطلق القيمي، يمكن أن نفهم العلاقات بين الأفراد و الجماعات والدول والأمم (الحضارات). ومن المنطلق نفسه، وبناء عليه ، ينبغي أن نفهم “القيم” الإنسانية والاجتماعية المختلفة، ودورها في العلاقات الإنسانية، والتي يمكن تقسيمها الى قسمين رئيسين:
– قيم عامة:  وهي مبادئ يؤمن بها كل البشر، مع اختلافات (طفيفة، أو محدودة) في معنى ومضمون كل من هذه القيم.
– قيم خاصة : أي مبادئ يؤمن بها شخص معين، أو فئة من الناس، أو مجتمع بأكمله، ولا يشاركه في الايمان بها “كل” الناس.
ومن هذا المنطلق أيضا، يجب أن “نقرأ” ما يعرف بظاهرة “صدام أو صراع الحضارات” … هذا المصطلح الذي أضحى شائعا منذ أن أصدر عالم السياسة الأمريكي “سامويل هنتنغتون” مقاله الشهير عن “صدام الحضارات”، والذى تحول الى كتاب فيما بعد. ملخص رأي الرجل لا يخرج ـ في عمومياته ـ عن ما نذكره هنا، عن مدى قابلية الأطراف الإنسانية المختلفة للتعاون أو الصراع، تبعا لاختلاف قيم كل طرف. فهو يوضح “حتمية” صراع “الحضارات” المختلفة كثيرا، بسبب اختلاف بعض قيمها الخاصة. ولكن حتى “هنتنجتون” لا ينكر وجود إمكانية التعاون فيما بينها، بسبب اشتراكها في القيم العامة. فالأطراف المتشابهة، قيميا، تميل، بالطبع، للتعاون فيما بينها، أكثر من ميلها للصراع. و قد قال : إن الحضارة الغربية مرشحة للتصادم مع عدة حضارات، بعد انهيار الـكتلة السوفيتية عام 1991م، وفي مقدمتهـا “الحضـارة الإسلامية”… لأن الأخيرة هي أكثر الحضارات اختلافاً (وتنافراً) مع قيم الغرب… ولأن “عنصرالتطرف الحاد موجود في بعض أبناء هذه الحضارة” ـ مع اعترافه بأنهم ـ أي “المتطرفين” ـ قلة قليلة، في كل مجتمع.
ومع ذلك، يمكن تلافي الصراع والصدام، واستبداله بالتعاون … إن تم التأكيد على ظاهرة “التعايش” ( Co-existance) بين البشر، على أساس القيم والمصالح المشتركة، وساد شيئا من التفاهم بين الجانبين …وتم إبعاد “المتطرفين” ـ من الجانبين ـ عن إدارة العلاقات البينة. فالتطرف دائما افة متهورة وسلبية. وهذا، في الواقع، صحيح… والأخذ به، بعد تصفية الخلافات الجذرية بينهما، يبدو في صالح الطرفين (الأمة العربية والإسلامية والغرب المتنفذ هنا) بل وصالح السلام والأمن الدوليين. ولهذا الحديث صلة.
*******************************************

asf1

asf1

4313 مقالة
منضم منذ 17 ديسمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *