بقلم ✍️ أ. فاتن صباغ
الهمسة الأولى …
شدني سؤال أحدهم {لماذا حين يرتفع مستوى الوعي، يصبح الشخص في حيرة كبيرة، وزيادة في القلق والتوتر}
نبدأ رحلتنا بالعودة لذاكرة الطفولة، كم من ممنوع مر عليك وهو ليس خطراً، أو عيباً، أو حرام، وكم من تنازل أُجبرت عليه، هذا لأجل فلان لأنه أكبر والثاني لأنه أصغر والثالث لأنه ضيف والرابع لأنك أفضل منه والخامس لأنه غير متربي، وكم من مرة أحسست بالتخلي، أو التهديد بالترك أو إنزال أقصى العقوبات، وكم من مرة تم تهميش رأيك، جرح مشاعرك، انتقادك، وكسرك، وكم من مرة كسروا خاطرك، تجاوزوا عليك، هشموا فرحتك ومنعوك من حقوقك، مارسوا عليك الصمت العقابي، وكم من معتقد تم بناءه في ذهنك بناء على مواقف، ألم وحزن وكسر وخداع وتخلي، وكم من تجربة رسخت في ذهنك كانت تجاربك فيها مع أُناس كاذبون، منافقون، كارهون، وكم من مرة اكتشفت أنك طيب وكرهت طيبتك، وكم من مرة التزمت فيها بصدقك وأحسست أنك غريب بين محيط يحب النفاق، وكم من مرة سامحت، عفوت، تساهلت ووجدتهم ضمنوا عاطفتك واعتبروك ساذج،
ثم يأتي هنا دور اليقظة، تشعر بمعاناتك الكبيرة، بضعفك الشديد، بتجاوزاتهم المتكررة، بتهميش مشاعرك، بغربتك بين من فضلتهم عن الجميع، فتخبرك يقظتك، بأن عليك التغيير، فتبدأ الرحلة بين الماضي المؤلم والحاضر القلق المتعب وبين المستقبل المأمول، فتقرأ كثير، وتتثقف، وتسجل مواقف جديدة، وأحداث مختلفة، وتستشير من تثق بهم، وتستعين بالمختصين، وتصارع نفسك، لأنها تأبى عليك التغيير، وتريد منك التمسك بماضيك وعدم الخروج من منطقة الراحة …
فتحاول الثبات وتنتصر لنفسك وتبدأ في التغيير، ثم ما أن حصلت على الوعي بالتغيير وبديت الرحلة، تجد حولك الكثير من المشاكل المتداخلة، تداخل أفكار، ازدواج مشاعر، لخبطة في النوم والأكل والنفسية فلقانة، وتعود من داخلك لتقول في نفسك (ليتني ما وعيت، ليتني استمريت مثل ما كنت أول على الأقل بغموضي، وعدم معرفتي، ومعلوماتي البسيطة كنت أفضل وأكثر سعادة)، فتبدأ في لوم نفسك، وإيلامها.
اعلم أن كل ما حصل معك هو ما يحصل مع معظم الأشخاص في رحلة الوعي، نأخذ مثال (حين تكون متعب وتعاني من الصداع، فتذهب للطبيب، فيبدأ الطبيب يضع كذا احتمال مسبب للصداع، ممكن نظرك ضعف، ممكن جيوبك الأنفية، ممكن حساسية الأنف، ممكن الأرق والقلق، ممكن التوتر والإجهاد، ممكن مشاكل بالجهاز الهضمي، ممكن مشاكل بالإذن، وفي أثناء إجراء الفحوصات قد تظهر لك بعض المفاجأت التي لم تتوقعها، من نقص الفيتامينات واضطراب الهرمونات، ومشاكل في الصحة العامة، ومشاكل مسببة للصداع وقد تكون أكثر من مشكلة، فتقول باليتني صمتت، وصبرت وتحملت ولا انفتحت على هذه الأمور ماذا يغلقها، وتشيل هم وتفكر وتتعب، ولكن في الواقع المفروض تقول للصداع شكرا، لأنه أعطاك إنذار بشكاوى عديدة صامتة لم تظهر بالسطح لم تطفو بعد، بل كانت صامتة تغوص بالأعماق، طفت وظهرت لتنتبه إليها وتحرص على متابعتها وعلاجها، بنفس الصورة والوصف والكلمات، نقول شكرا للوعي الذي أظهر لنا مشاكل دفينة، ومعتقدات راسخه، وذكريات مؤلمة، وخوف من المجهول، وصعوبة تجربة الجديد، ولوم نفسك وجلدها، ومحاولة ارضاء الجميع، والخوف من كلمة لا، لقد اظهرها الوعي حتى تبدأ في تنظيفها وتلميعها والتخلص منها والسماح لها بالرحيل، وبعد تحليلها وإحلالها تبدأ أنت برؤية أن الوعي، أخرج لك سموم الماضي ليداوي الحاضر، ويزهر المستقبل ….
