الأحد، 11 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

ما زال العالم حابسا أنفاسه…؟!

أدلى “ديمتري ميدفيديف”، نائب رئيس مجلس الامن الوطني الروسي، والرئيس الروسي السابق، بتصريحات هامة، يوم 24/2/2023م، بشأن أزمة أوكرانيا، بمناسبة مرور سنة على “العملية العسكرية” الروسية بأوكرانيا، وفي وقت مازال وضع الصراع فيه يتفاقم، ويتصاعد، يوما بعد يوم. اذ لا يوجد حتى الان ما يشير الى توقف قريب للمعارك الدامية بين الطرفين. حيث يحاول الجيش الروسي بسط هيمنته على المناطق الاوكرانية التي يحتلها. بينما تقاوم كييف… معتمدة على الدعم العسكري الغربي المكثف، والذي جعل رئيسها (زيلينسكي) يصرح بأن هذا العام سيشهد “انتصار أوكرانيا”.

أكد ميدفيديف : “ان روسيا ستنتصر في أوكرانيا، ومستعدة للمضي حتى حدود بولندا. وإذا كانت الولايات المتحدة تريد هزيمة روسيا، فعندئذ يحق لنا الدفاع عن أنفسنا بكل سلاح، بما في ذلك الأسلحة النووية”. وذلك بعد اعلان بلاده انسحابها من اتفاقية “نيو ستارت” النووية مع أميركا. واتهم ميدفيديف الحكومة الأوكرانية مجدداً بأنها من “النازيين الجدد”، وترتكب “إبادة” بحق الناطقين بالروسية في أوكرانيا. وهي من التهم التي استخدمها الكرملين ذريعة لتبرير العملية العسكرية. كما تحدث ميدفيديف عن مفاوضات ستجري بعد “انتصار” روسيا. ورأى أن هذه المفاوضات “ستكون صعبة ومتوترة، والقرارات من جانب أوكرانيا سوف تتخذ عبر البحار، من قبل الذين يسلمون أسلحة إلى كييف، ويرسلون لها المال، لتعويم الاقتصاد الأوكراني أو ما تبقى منه” .

واتضح أن تصريحاته تعكس أيضا موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي أدلى بعده بأيام، بتصريحات مشابهة. حيث أعتبر أن حلف “ناتو” يشارك بقوة في حرب أوكرانيا، عبر ارسال مساعدات عسكرية ضخمة لأوكرانيا. وتابع قائلا : “هذا يعنى ان ناتو يشارك، ولو بصورة غير مباشرة، في جرائم كييف…ان الدول الغربية لديها هدف واحد، هو تدمير الاتحاد السوفييتي السابق، والجزء الرئيسي منه، روسيا الاتحادية. عندها فقط قد يقبلوننا في عائلة الشعوب المتحضرة المزعومة، ولكن بصورة منفصلة فقط، كل جزء لوحده”. وقال: “اننا نعمل لعالم متعدد الاقطاب”. وهذه التصريحات تؤكد وتلخص موقف روسيا في هذا الصراع العالمي الخطير.

****

ان ما تسميه روسيا بـ “العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا”، يكاد معظم العالم أن يكون منخرطا فيها، أو متأثر، بشكل أو اخر، بهذه الحرب، التي يحبس الكثيرون أنفاسهم، خشية أن تتصاعد لدرجة الانفلات، وحدوث ما لا تحمد عقباه، وهو الاصطدام المروع المحتمل بين روسيا، وحلفائها من جهة، والغرب وحلفاءه من جهة أخرى. وبعض المراقبين يصفون هذا الصراع الدولي الساخن، بأنه تمهيد للحرب العالمية الثالثة والأخيرة. لذا، لا يستغرب أن هذه الحرب تهم وتشغل معظم العالم.

ولا شك ان روسيا، بغزوها لأوكرانيا، تدفع خطرا فادحا محتملا على أمنها القومي، ووحدة أراضيها، وسيادتها. خطر سيأتي حتما من أوكرانيا بخاصة، ان هي انضمت لحلف ناتو، المعادي جدا لروسيا، واستمرت في استفزاز الروس. وذلك تحسب روسي مشروع، ومبرر تماما، رغم “قسوة” رد الفعل الروسي، والذي تمثل في التنكيل بأوكرانيا، انسانا وأرضا. فمن الناحية القانونية، ترتكب روسيا، بحربها هذه، مخالفة فظيعة للقانون الدولي. والمتوقع أن تحقق روسيا أغلب أهدافها من هذه الحرب، ما لم يحصل الاصطدام الكبير بينها وبين الغرب. وستؤكد روسيا، ان هي انتصرت، موقعها كقطب جديد- قديم.

ولكن الجيش الروسي ارتكب خطأ استراتيجيا فادحا، عندما تجنب احتلال العاصمة الاوكرانية كييف، وازاحة الحكومة العميلة للغرب، في بداية اجتياحه، كما فعلت أمريكا عندما غزت العراق. الامر الذي مكن كييف من التواصل مع العالم الغربي، الذي أقام جسرا اتصاليا، وجويا، وبريا، لتزويد أوكرانيا بالسلاح والعتاد، والدعم، وبعض المقاتلين. مما أدى الى عدم حسم المعركة، وتطويل أمد الحرب، الى أجل غير مسمى. وكل ذلك سهل لأمريكا : العمل على استنزاف أكبر قدر ممكن من القوة الروسية، ودق أسفين بين روسيا واوروبا، واضطرار أوروبا، أو معظمها، للارتماء أكثر في الحضن الامريكي.

****

وقد كانت روسيا، وما زالت، هي الهاجس الامني – السياسي الاكبر لأعضاء حلف ناتو، رغم كونها، بالدرجة الأولى، دولة أوروبية- أورو آسيوية كبرى، الا أن هناك عداء أوروبيا تاريخيا تقليديا لها. فعلى مدار التاريخ الحديث والمعاصر، كانت هناك صراعات وحروب بين روسيا والدول الاوروبية الكبرى. وكذلك اجتياحات عسكرية روسية لبعض بلدان أوروبا المجاورة لروسيا. كما أن كون غالبية الروس تعتنق المذهب المسيحي الأرثوذكسي جعل لروسيا تقاليد وحضارة مختلفة عن غالبية دول أوروبا وغالبيتها البروتستانتية. وساهم قيام “الشيوعية” فيها، في الفترة 1917 – 1991م، وهيمنتها على أوروبا الشرقية، في جعل روسيا في خصام مع “الديمقراطيات” الغربية، ورثته روسيا، رغم تخليها عن التوجه الشيوعي الماركسي، وتحولها لدولة وطنية ليبرالية.

وبعد انهيار حلف وارسو، والاتحاد السوفييتي، طالبت روسيا بعدم توسع حلف “ناتو” شرقا تجاه حدودها الغربية، فوعد الحلف – أثناء مفاوضات توحيد ألمانيا تحديدا- بعدم التوسع شرقا. ولكنه نكث بهذا الوعد، واستغل ضعف روسيا، في المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفييتي، فتوسع شرقا لألاف الكيلومترات. وها هو يمعن في هذا التوسع، ويضم فنلندا والسويد. فالغرب يناوئ روسيا، لأسباب أيديولوجية وتاريخية معروفة. ويعتبر روسيا رسميا، من أكبر وأخطر ما يهدد الامن القومي الغربي، اضافة الى الصين، وغيرها. وهذا الغرب، وزعيمته أميركا، يرفض تطورات النظام العالمي الأخيرة، ويصر على إبقاء النظام العالمي أحادي القطبية، رغم صعود الصين، والى حد ما روسيا، عنوة الى قمة العالم السياسية- الاقتصادية، كأمر واقع، لا يملك أحد في الوقت الحالي تعديله.

من الصعب التشكيك في اتهامات ميدفيديف وبوتن للغرب، الذي ما فتئ يسعى لتفكيك روسيا الى دويلات، بعدد جمهوريات ومناطق الاتحاد السوفييتي السابق.

****************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *