السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

ما وراء المضيق.. وثائق العبور وتأسيس “الفردوس المفقود”

عصف الأخبارية – أحمد أبوالنجا

على ضفاف المضيق الذي يفصل بين قارتين وعالمين، وقفت الجيوش الإسلامية في رجب من العام الثاني والتسعين للهجرة (711 ميلادية) أمام قرار سيغير وجه التاريخ الإنساني لثمانية قرون تالية. لم تكن تلك اللحظة مجرد توسع عسكري تقليدي لإمبراطورية صاعدة، بل كانت، كما تصفها المدونات التاريخية الدقيقة، عملية جراحية دقيقة لانتزاع شبه الجزيرة الأيبيرية من براثن الفوضى السياسية التي عاشتها تحت حكم القوط الغربيين، وزرع بذرة حضارة جديدة ستُعرف لاحقاً باسم “الأندلس”.

لفهم ما حدث في ذلك الربيع التاريخي، لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء، لقراءة المشهد من زاوية أوسع. ففي تلك الفترة، كانت الدولة الأموية قد بسطت نفوذها على كامل الشمال الأفريقي بقيادة الوالي المحنك موسى بن نصير، الذي أدرك بحدسه السياسي والعسكري أن استقرار المغرب لن يكتمل دون تأمين الضفة الشمالية للمتوسط. وتتفق المصادر التاريخية المعتبرة، وعلى رأسها ما أورده ابن عذاري المراكشي في كتابه المرجعي “البيان المغرب”، على أن الأندلس كانت تعيش حالة من التحلل الداخلي؛ فالمجتمع يئن تحت وطأة نظام طبقي صارم، والصراع على العرش بين الملك الجديد “لذريق” وأنصار الملك الراحل “غيطشة” كان قد وصل ذروته، مما جعل البلاد أشبه بقلعة متصدعة تنتظر من يدفع بوابتها.

هنا، تبرز الرواية التاريخية الشهيرة التي أكدها المؤرخ ابن القوطية في كتابه “تاريخ افتتاح الأندلس”، حول الدور المحوري الذي لعبه “يوليان”، حاكم مدينة سبتة. فقد كان هذا الرجل بمثابة حلقة الوصل الاستخباراتية التي سهلت العبور، مدفوعاً بنقمته الشخصية والسياسية على الملك “لذريق”. لم يلقِ موسى بن نصير بجنوده في المجهول، بل اعتمد استراتيجية عسكرية حذرة بدأت بحملة استطلاعية صغيرة قادها طريف بن مالك في رمضان عام 91 هـ، عادت محملة بالغنائم والأخبار المطمئنة عن هشاشة الدفاعات الساحلية.

وعندما حانت ساعة الصفر، عبر القائد طارق بن زياد بجيش قوامه نحو سبعة آلاف مقاتل، معظمهم من البربر المسلمين، ليرسي سفنه عند الجبل الذي سيحمل اسمه إلى الأبد. لم يمض وقت طويل حتى وجد طارق نفسه وجهاً لوجه أمام الجيش القوطي الجرار بقيادة لذريق نفسه في وادي لكة (أو وادي برباط كما تسميه بعض المصادر). وبرغم التفوق العددي الهائل للقوط، إلا أن المقري التلمساني في موسوعته “نفح الطيب” يشير إلى أن المعركة حُسمت بفضل الروح المعنوية العالية للمسلمين، وبالخيانة التي تعرض لها لذريق من قبل أجنحة جيشه الموالية للأسرة الحاكمة السابقة، لينتهي اليوم باختفاء الملك القوطي وانهيار منظومة الدفاع الإسبانية بالكامل.

لكن القصة لم تنتهِ عند وادي لكة؛ فقد أدرك موسى بن نصير في القيروان أن النصر يحتاج إلى تثبيت. وفي خطوة استراتيجية بارعة، عبر بنفسه عام 93 هـ على رأس جيش آخر، متخذاً مساراً مغايراً لمسار طارق، ليفتح المدن التي تجاوزها الجيش الأول مثل إشبيلية وماردة، في عملية التفاف عسكرية تدرس، هدفت إلى حماية خطوط الإمداد وضمان عدم ترك جيوب مقاومة خلف الظهور. التقى القائدان أخيراً في طليطلة، العاصمة السياسية للقوط، ليعلنا بذلك ميلاد ولاية الأندلس الأموية.

واللافت في هذه الفتوحات، بحسب ما يوثقه كتاب “أخبار مجموعة”، أنها لم تكن دموية بالصورة التي قد يتخيلها البعض عن حروب العصور الوسطى. فقد جنحت الكثير من المدن للسلم، وعُقدت معاهدات صلح شهيرة، أبرزها معاهدة “تدمير” التي ضمنت للمسيحيين حرية ممارسة شعائرهم والاحتفاظ بممتلكاتهم مقابل الجزية، مما سهل انصهار السكان الأصليين في النسيج الاجتماعي للدولة الجديدة.

وهكذا، فإن ما بدأ كصدام عسكري عند سفح الجبل، انتهى كعناق حضاري فريد أثمر عن ثمانية قرون من المجد. لم يكتفِ الفاتحون بعبور المضيق الجغرافي فحسب، بل عبروا بالبشرية من ظلمات العصور الوسطى الأوروبية إلى أنوار قرطبة وغرناطة. لقد طوى هؤلاء القادة صفحة الحرب سريعاً ليفتحوا صفحات العلم والعمارة والتعايش، تاركين للعالم شاهداً حياً على أن “الأندلس” لم تكن مجرد رقعة جغرافية تم ضمها بالسيف، بل كانت فكرةً ولدت على صهوات الخيل، وعاشت في ضمير الزمن كفردوسٍ، لا يزال صداه الحضاري يتردد في جنبات التاريخ حتى يومنا هذا.

احمد ابو النجا

احمد ابو النجا

1051 مقالة
منضم منذ 2 أغسطس 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *