عصف الأخبارية–سمر دمنهوري
إنَّ لشَهرِ رَمَضانَ تَميُّزًا عن بقيَّةِ الشُّهورِ، فهو فرصةٌ حقيقيَّةٌ لتغييُّرِ النَّفسِ وإصلاحِها، فحريٌّ بالمؤمِنِ أن يَجعَل رَمَضانَ موسِما ً للتَّغييُّرِ باكتساب ِ الفضائِلِ والتَّخَلي ِّ عن الرَّذائِلِ.
وإنَّ من أبرَزِ وسائِلِ التَّغييُّرِ في رَمَضانَ:
حُضورَ مَجالِسِ الذِّكرِ وأماكِنِ العبادةِ، فيتعَلَّق ُ قَلبُه بالمساجِدِ، ويُكثِرُ الخُطا إليها، وينتَظِرُ الصلاةَ بَعدَ الصلاةِ، وممَّا يُقَوِّي همتَه ويَشُدُّ عزيمتَه كَثرةُ المُقبِلين على المساجدِ في رَمَضانَ.
ففي صحيحِ مُسْلمٍ عن أبي هُريرةَ رَضِي ِ َ اللهُ عنه أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ألا أدُلُّكم على ما يمحو اللهُ به الخطايا،ويرفَعُ به الدَّرَجاتِ؟ قالوا: بلى يا رسول َ اللهِ، قال: إسباغُ الوُضوءِ على المكارِهِ، وكثرةُ الخُطا إلى المساجِدِ، وانتِظارُ الصلاةِ بَعدَ الصلاةِ، فذلكم الرِّباطُ،فذلكم الرِّباطُ)).
فسَمَّى النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلَّم هذه الأعمال مُرابَطةً؛ لكَونهِا تَسُدُّ طُرُق َ الشَّيطانِ على النَّفسِ، وتَقهَرُ الهَوى.
إنَّ الاختلاطَ بالصالحين في أشَرَف عَمَلٍ وهو الصلاةُ، وفي أحَب ِّ البِقاعِ إلى اللهِ تعالى وهي المساجِدُ مع حُضورِ الملائِكةِ وصلاتِهِم على العبدِ له أثَرُه العظيمُ في هدايتِه وصلاحِه بإذنِ اللهِ تعالى، فهذا الوَسَطُ الإيمانيُّ والصحبةُ الطَّيِّبةُ، مع الابتِعادِ عن رِفاق السُّوءِ له أثَرُه في التَّغييُّرِ المنشودِ.
كما أنَّ الصلاةَ نَفسَها من أعظَمِ أسباب التَّغييُّرِ، فقد قال اللهُ سُبحانَه: إِن َّ ٱلصلَوٰةَ تَنۡهَى ٰ عَن ِ ٱلۡفَحشآءِ وَٱلۡمُنكَر [العنكبوت: 45]، فالعَبدُ المتمِّمُ لأركانهِا وشَروطِها وخُشوعِها يَستنيُّرُ قَلبُه، ويَزدادُ إيمانُه، وتَقوى رغبتُه في الخيُّرِ، وتَقِل أو تَعدَمُ رَغبتُه في الشْر، وقد ثبت عن أبي هُريرةَ رَضِي ِ َ اللهُ عنه أنَّه قال: ((جاء رجُل ٌ إلى النَّبيِّ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم فقال: إنَّ فُلانًا يُصلي ِّ باللَّيلِ، فإذا أصبَحَ سرق! قال: إنَّه سيَنهاهُ ما تَقول ُ )).
إنَّ رَمَضانَ لفُرصةٌ عظيمةٌ للانتصارِ على هوى النَّفسِ وغَرسِ فضائِل َ عُليا فيها.
وإذا كان الإنسانُ قد ترَك باختيارِه ما أبيحَ له من الطَّعامِ والشْراب ِ والنِّكاحِ في ساعاتِ النَّهارِ دونَ أن يراه أحَدٌ سوى اللهِ عزَّ وجَل، فهو بذلك يخطو خَطوةً عظيمةً نحوَ تربيةِ النَّفسِ على تَركِ ما حرَّمه اللهُ تعالى في سائِرِ الأوقاتِ، وعلى مراقبةِ اللهِ عزَّ وجَل وخشيتِه. وإنَّ في رَمَضانَ لفُرصةً كبيُّرةً للانتصارِ على العاداتِ السَّيِّئةِ التي تسيطِرُ على العبدِ؛ فإنَّ النَّفس إذا فُطِمَت عن العاداتِ السَّيِّئةِ طيلةَ هذا الشَّهرِ كان أعوَنَ لها أن يَفطِمَها بقيَّةَ عامِه، بل عُمُرَه كُلَّه.
وقد ذمَّ اللهُ تعالى الكُفَّارَ الذين لا همةَ لهم سوى الأكلِ والتَّمتُّعِ بملذَّاتِ الدُّنيا، إنَّ في رَمَضانَ فرصةٌ لتغييُّرِ عاداتِ الأكلِ والشْرب، والإسراف فيهما وعَكسُه الكافرُ؛ فهَمُّه الاستمتاعُ بالطَّيِّباتِ في الدُّنيا، فيَأكُل بنَهَمٍ وشَراهةٍ ولا يكتفي، فكأنَّه يَأكُل في سَبعةِ فهذا تَمَثيل لرِضا المؤمنِ بِاليَسيُّرِ مِنَ الدُّنيا، وحِرصِ الكافرِ على الكَثيُّرِ مِنها، فهَمُّ المُؤمِنِ مَرضاةُ ربِّه تعالى لا التَّوسُّعُ في المأكولِ، مع عدَمِ وُجودِ البَرَكةِ.
واحذَرْ مِنَ الانشِغالِ بوسائِلِ التَّواصلِ الاجتِماعيِّ، وقضاءِ السَّاعاتِ في تقليبِها والتنقلِ بينها دونَ نَفعٍ يعودُ عليك في دِينِك أو دُنياك؛ فإنهَّا من أكبَر المُثَبِّطاتِ عن فِعلِ الخيُّرِ، وإحداثِ التَّغييُّرِ المنشودِ. وجرِّب يومًا أن لا تنشَغِل بهذه الأمورِ، وانظُرْ بَعدَها كم أنجَزت َ في تلاوةِ القرآنِ وتدَبُّرِه، وكم استَفَدْت َ من وقتِك بما يعودُ بالنَّفعِ عليك. فكنْ جادًّا وحازِمًا قَبل َ أن يخرُجَ رَمَضانُ وأنت في غايةِ الحَسَرةِ على فواتِه، ان رَمَضانَ فُرصةً لتصحيحِ العَلاقةِ مع اللهِ تعالى.
