الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

حــلـــف شمـــال الأطـــلــسي يتشدد مصعــــــدا…؟!

عقد حلف شمال الاطلسي اجتماعه السنوي الدوري على مستوى القمة، أي رؤساء الدول الاعضاء التسعة والعشرون. وذلك يومي 9-11يونيو 2024م، في واشنطن، في جو كان متوقعا أن يكون شبه احتفالي، بمناسبة مرور خمسة وسبعين عاما على انشاء الحلف، أي ثلاثة أرباع القرن. ورشح عن هذا الاجتماع ظهور بعض الخلافات،التي تواجه، عادة، كل حلف، ونشوب توتر فيما بين بعض أعضاءه…اعتبرها البعض تهديدا لاستمرار الحلف العتيد. ولكن، يبدو أن الحلف تجاوز هذه الخلافات، وفي مقدمتها ما يجب أن يكون عليه دور الحلف، تجاه الوضع في أوكرانيا. ونسلط في هذا المقال بعض الضوء على أبرز ما تمخض عن هذا الاجتماع، وموقف الحلف، تجاه ما يواجهه من تحديات.

 وكما كان متوقعا من هذا الاجتماع، اهتم بما يجري على الساحة الدولية، والقضايا التي تهم هذا التكتل، وفي مقدمتها: أزمتي الحرب في أوكرانيا، وحرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في غزة. واهتم الاجتماع بتصفية الخلافات البينية التيعكرت جو “ناتو”، وقلصت من درجة الانسجام فيما بين بعض اعضاءه.

 وقد كانت روسيا، وما زالت، هي الهاجس الامني – السياسي الاكبر لمعظم أعضاء هذا الحلف. ومعروف، أنه بعد زوال الاتحاد السوفييتي، طلبت روسيا الانضمام لحلف “ناتو” كعضو كامل العضوية، كما سبق وأشرنا، فرفض طلبها، لكونها دولة “مختلفة ومنافسة“. ثم طالبت لاحقا بعدم توسع حلف “ناتو” شرقا تجاه حدودها الغربية، فلم يستجب لهذا الطلب أيضا.  وما ذكر عن روسيا، يقال أيضا، ودون شك، عن بقية خصوم أمريكا والغرب.

  وقد امتدح رؤساء الوفود، في كلماتهم الافتتاحية، دور الحلف في “حماية ونشر الديمقراطية، وحكم القانون في دوله الاعضاء، وغيرها“...؟! وأعربوا عن حرصهم على الابقاء على الحلف، ودعمه. فهذا الحلف يحمي – كما قيل – قرابة مليار شخص. كما اعترفوا بوجود خلافات لابد من السعي لحلها، في أقرب فرصة ممكنة. والواقع، أن أغلب هذه الخلافات نشبت بعد مطالبة أمريكا الأعضاء بتحمل تكاليف أكثر، ومجاراتها في سياساتها، حتى المتخبطة والمتصهينة منها.

أنشئ حلف شمال الأطلسي ( NATO) يوم 4 / 4 / 1949م، للدفاع عن الغرب المتنفذ وتوابعه، ضد ما يهددهم من أخطار، وفى مقدمتها الخطر الشيوعي الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي السابق. وقام هذا الحلف أثناء صراع الدولتين العظميين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي). كان تأسيسه سببا، ونتيجة، للحرب الباردة التي اندلعت بين هذين الطرفين. وكرد فعل على قيام حلف “ناتو”، أنشأ الاتحاد السوفييتي وحلفاءه، حلف وارسو، يوم 14 / 5 / 1955م. وكان هناك معسكران متنافران متضادان (القطبية الثنائية)، يسيطرا على العالم، المعسكر الغربي (ناتو) بقيادة الولايات المتحدة، والمعسكـــر الشرقي (حلف وارسو) بزعامة الاتحــــاد الســوفييتي.

 وكان هدف حلف ناتو، وما زال، هو: الحفاظ على حرية وأمن أعضاءه، كـــما جــاء في الموقع الإليكتروني الخاص بالحلف، ومقره بروكسل. فالحلف يعبر عن ” التزامه بالقيم الديمقراطية، وتقاسم الموارد التي من شأنها تعزيز الدفاع والامن للدول الاعضاء، من خلال منع وايقاف الصراعات، مع التأكيد على أن استخدامه للعمل العسكري لا لبس فيه، في حال فشلت الجهود الدبلوماسية”. ذلك بعض مما جاء في النظام الاساسي للحلف. كما ان “التزام الحلف بالقيم الديمقراطية” أمسى، في كثير من الحالات، مجرد ادعاء…ولا بد من الإقرار بأن من ضمن أهداف بقاء “ناتو”، ودعمه، استمرار ودعم الهيمنة الكونية الامريكية.

 ان حلف ناتو هو تكتل عسكري – دبلوماسي، أنشئ بموجب معاهدة شمال الأطلسي، والتي تعرف أيضا بمعاهدة واشنطن، وذلك لمواجهة التهديد الشيوعي، المتمثل في الاتحاد السوفييتي، بصفة أساسية، بعد أن نشر الاخير قواته في وسط وشرق أوروبا، عقب الحرب العالمية الثانية. وأعضائه الاصليين 16 دولة، هي : بلجيكا، أمريكا، فرنسا، الدنمارك، كندا، ايسلندا، ايطاليا، لوكسمبرج، هولندا، النرويج، البرتغال، بريطانيا. ثم انضمت اليه فيما بعد اليونان، تركيا، المانيا الغربية (المانيا)، إسبانيا. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، التحقت به 13 دولة، كانت أعضاء في حلف وارسو، وهي : تشيك، المجر، بولندا، بلغاريا، إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، ألبانيا، كرواتيا، الجبل الاسود… أي أن عدد أعضاءه الان وصل الى 29 دولة، حوالي نصفهم كانوا أعضاء في حلف وارسو. وسيصل الى 32 دولة عندما تنضم اليه جمهورية شمال مقدونيا، والسويد، وفنلندا، رسميا وقريبا.  

 ومن أهم ما صدر عن اجتماع واشنطن، من قرارا: نشر صواريخ باليستية نووية أمريكية، طويلة المدى، في ألمانيا، القريبة من روسيا، بدءا من سنة 2026م. وتشمل صواريخ “أس ام-6″، و”توما هوك”، وأسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت، وذات مدى أبعد من تلك الأسلحة التي تمتلكها القوى الأوروبية، في الوقت الحاضر.

وأشاد المؤيدون لهذا  القرار، باعتباره “يعزز أمن أوروبا”. بينما أثار استياء روسيا، وحلفائها. اذ أشار المنتقدون، ومنهم ألمان، وأطلسيين، الى الغضب الروسي، واعتباره القرار استفزازا كبيرا، يتطلب رد فعل مناسب. وغالبا ما سيؤدي الى تفعيل سباق تسلح جديد، سيمثل خطورة على كل المعنيين. وتعتبر ألمانيا واحدة من عدة دول تستضيف قواعد، وأسلحة نووية أمريكية (تابعة للناتو). وهناك معارضة ألمانية محلية، لهذا الانتشار النووي. اذ تسبب هذا القرار في حدوث توترات جديدة داخل الائتلاف الالماني الحاكم حاليا، والذي يتزعمه المستشار “أولاف شولتز”.

ان العلاقة بين هذا الحلف، وروسيا، هي دائما متوترة، يسودها الحذر، والقلق. يقول خبراء أن هذه العلاقة دخلت منعطفا جديدا،وخطيرا، بعد قمة واشنطن هذه، وبعد أن قرر الناتو نصب صواريخه هذه في ألمانيا، وتأكيده، في بيانه الختامي، أن روسيا تشكل تهديدا متصاعدا لدول الحلف، التي تعدت دوله بتقديم أكبر دعم ممكن لأوكرانيا، رغم وعد الحلف، في بيانه الختامي، بعدم وجود رغبة لديه قي المواجهة المباشرة مع روسيا.

 قال الرئيس “فلاديمير بوتن”، منتقدا هذا التصعيد الغربي، مع بلاده :”ممثلو دول الناتو، وخاصة دول أوروبا، وخاصة الدول الأوروبية الصغيرة، يجب أن يفهموا بماذا هم يلعبون. ويجب أن يتذكروا أن دولهم صغيرة المساحة، كثيفة السكان”. أما “ديمتري ميد فيديف“، نائب رئيس مجلس الامن القومي الروسي، فكان أكثر حدة تجاه هذا التصعيد الغربي. اذ قال :”يتعين على روسيا أن تعمل كل شيء، حتى ينتهي طريق أوكرانيا، الذي لا رجعة فيه الى حلف الناتو. وذلك باختفاءهذه الدولة، والحلف نفسه”.

 وتظل أزمة أوكرانيا هي الأخطر، حتى اشعار اخر، على السلم والامن الدوليين. فالغرب يريد ضمها لحلف ناتو، وانتصارها في حربها ضد روسيا. وروسيا تريد ضم المناطق الخمس (الروسية- الأوكرانية) لروسيا نهائيا، ويصبح ما تبقى من أوكرانيا دولة محايدة، لا يمكن، بسبب موقعها، أن تنضم لحلف ناتو، العدو الالد لروسيا. والغرب المتنفذ، متجسدا في ناتو، يتدخل في هذا الصراع، ويحارب روسيا عبره، رغم تأكيده، من حين لآخر، بعدم رغبته في الاصطدام مباشرة مع روسيا. ذلك الاصطدام (المحتمل)، الذي يعني- ان حصل، لا سمح الله- قيام الحرب العالمية الثالثة.  

 

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *