الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

“استشعار معنى العافية” ؟!

بقلم✍️ دلال كمال راضي

العافية تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى، يتردد هذا المثل كثيرا عند الحديث على نعمة الصحة أو التطرق لمرض أصاب فلان أو علان، والحقيقة ان هذا المثل لا يعطي العافية حقها ولا يعد من وجهة نظري معبرا عن قيمة العافية ومحوريتها في الحياة، فمن وجهة نظري العافية هي الحياة السعيدة الهانئة، فلا طعم ولا لون ولا معنى للحياة بدون العافية، فالمرض يجعل الحياة كئيبة ومملة بل يغدو المرض عذابا عند بعض المرضى فيتمنون الموت ألف مرة، لذلك وعد الله الصابرين أجرا بلا حساب (انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، حيث يعد المرض في حياة المؤمن ابتلاء وطهارة وكفارة عن الذنوب والخطايا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (ما من مسلم يصيبه أذًى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها)، كما أن المرض وغيره من الابتلاءات سببا لكسب الحسنات ونيل الدرجات وتكفير السيئات، حيث يقول عليه الصلاة والسلام كذلك: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه).

إن ابتلاء الإنسان بالمرض سنة قدرها الله وأجراها على خلقه مؤمنهم وكافرهم، ولكن للابتلاء في حياة المسلم معانيه السامية وفوائده الروحية والإيمانية، فهناك من يبتليه الله بالنعم لينظر كيف يشكر، وهناك من يبتليه الله بالمرض لينظر كيف يصبر، كما أن المرض يوقظ المؤمن من غفلته، ويجعله يحرص على الطاعات ويكف عن المعاصي، فالمرض يجعله يستشعر ضعفه وحاجته إلى مولاه، فيعود إليه نادما على تقصيره، قال عز من قائل:(ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون)،
وما أجمل حال المؤمن في مرضه حين يُسأل عن حاله فيجيب بـ(الحمدالله) مهما كان حاله، فهو يعلم أن المرض نوع من البلاء، وأن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، لذلك يقابل الابتلاء بالرضى التام، وعظيم الصبر وعدم السخط والشكوى، متسلحا بحسن ظنه بربه، وأن ما أصابه ما كان ليخطئه، وربما يكون دفعا لشر أعظم منه، وكما قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: (ارض عن الله في جميع ما يفعله بك، فإنه ما منعك إلا ليعطيك، ولا ابتلاك إلا ليعافيك، ولا أمرضك إلا ليشفيك، ولا أماتك إلا ليحييك، فإياك أن تفارق الرضى عنه طرفة عين، فتسقط من عينه).
ومع ما للبلاء والصبر عليه من أجر عظيم إلا أن المسلم لا يتمنى المرض والابتلاء، بل يجب أن يسأل الله دائما العفو والعافية، وإذا أصيب بمرض فإن أول ما يلجأ إليه هو الدعاء بأن يرفع عنه الله ما أصابه، وعليه التوكل على الله والتعلق به قبل التعلق بالأسباب الدنيوية، ومن ثم العمل بالأسباب وعرض نفسه على الأطباء والتماس الدواء الناجع لمرضه، فقد قال عليه الصلاة والسلام:(ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء).

كما أن من فوائد المرض من وجهة نظري أننا نعرف حقيقة حب من حولنا لنا ومدى اهتمامهم بنا، وكذلك نقيم قدرنا عند أصدقائنا ومعارفنا بمقدار سؤالهم عنا وقلقهم علينا، فالاهتمام بالمريض والسؤال عنه وزيارته تشكل دعما نفسيا كبيرا يرفع من معنوياته الأمر الذي قد يساعد على تعافيه، لذلك جعل الإسلام زيارة المريض حق من حقوق المسلم على المسلم، كما جاء في الحديث الشريف (حق المسلم على المسلم ست.. وذكر منها: وإذا مرض فعده)، وما أعظم ما قاله ربنا عز وجل عن زيارة المريض في الحديث القدسي الذي يرويه نبينا الكريم عن ربه:(يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدتني عنده)، ويستثنى طبعا زيارة المريض بمرض معدٍ، حيث تمنع زيارته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(لا يوردن ممرض على مصح).

أسأل الله لي ولكم دوام الصحة والعافية.

أ. دلال راضي

أ. دلال راضي

43 مقالة
منضم منذ 22 ديسمبر 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *