إن “الحوار” البناء، بين الغرب والمسلمين، أو بين أي طرفين مختلفين، يجب أن يتم على أسس موضوعية، وبعيدة عن التشنج، والمواقف المسبقة …. حتى يصبح ذا جدوى وفائدة. والغريب، أن البعض يؤاخذ الغرب كله على أطروحة سلبية ـ ضد الإسلام والعروبة ـ قال بها هذا الكاتب أو ذاك، أو هذا المراسل الصحفي أو ذاك، ثم يتغاضون عن “الإساءات الغربية الكبرى”، المرئية وغير المرئية، للمسلمين وغيرهم (ومن ذلك : الهيمنة غير المباشرة، دعم إسرائيل، التدخل السافر في الشؤن الداخلية لبعض الدول). كما يتجاهلون، في الوقت نفسه، ما يكيله بعض العرب والمسلمين للغرب من سباب، وسخرية. وكلها أمور تؤثر بالسلب على علاقة العرب والمسلمين بالغرب، وغيره، وتبقى هذه العلاقة فى دائرة التوتر والنزاع…
والعرب – فى الواقع – ما زالوا أحوج ما يكونون لمحاورة أنفسهم، قبل ان يحاوروا الاخرين، وخاصة فيما يتعلق ببعض الأوضاع السياسية المأساوية الخطيرة، القائمة في ديار بعضهم … ومنها مسائل : “التعنصر البيني” و”الفساد”، وسيادة “الديكتاتورية”، ووجود “متطرفين” معادين لمعظم البشرية، وما الى ذلك من ماس وعيوب، سياسية واجتماعية معروفة.
****
ومعروف، أن الغرب كثيرا ما يشن هجمات شرسة، على ما يسميه بـ “الارهاب”، الذى يقوم به “متطرفون” من العرب والمسلمين، وغيرهم. ثم استمرأ الفكرة، وأخذ يستخدمها “فزاعة” لبعض اعتداءاته الوحشية. وقد تمخض عن هذه الهجمة – كما هو معروف – مقتل آلاف الأبرياء، وتدمير بيوتهم، وبلادهم، ووسائل عيشهم (في فلسطين والعراق وأفغانستان، وسوريا، وغيرهم). وهى – فى الواقع – حملة على أمة الإسلام، وخاصة المتشدد … الذى يقولون ان محاربته (“محاربة الارهاب”) أصبحت ضرورية، لحماية أمنهم القومي. ولاشك ان هذه الهجمة الظالمة – خاصة تلك التى اعقبت احداث 11 / 9 / 2001 م الشهيرة – قد اوصلت العلاقة الشعبية بين الجانبين الى ذروة الاستياء والتوتر.
وهذا اكد – من جديد – ان اكثر حضارتين متناقضتين (قيما وثوابتا ومصالحا) فى العالم، فى العصر الحاضر، هما : الحضارتين العربية (الاسلامية) والغربية (العلمانية). صحيح، ان “التناقض” موجود بين كل حضارات العالم ودوله، كما هو بين الافراد ونظرائهم. ولكن “حدة” هذا التناقض (الصراع) بين هاتين الحضارتين ربما تكون الأعلى، فى الواقع العقائدي الكونى الراهن. ويسهل القول بان : السبب الرئيس لهذه الدرجة المرتفعة من الحدة، هو : وجود متطرفين قيميا فى الجانبين (وليس فى الجانب الاسلامى فقط)… يبتغون اقتلاع الاخر، ويسفهون مبادءه، ويراهنون على ضرورة اندحاره واستغلاله، وتراجعه. فاما ان يقبل ملتهم، ويعتنق قيمهم كلها، ويخضع لهم، واما العداء، والحرب … فهو “العدو” الذى يستحق الموت ؟!
ان الحوار المنهجى الجاد، بين الطرفين – او ممثليهم الحقيقيين – يمكن ان يزيل هذه “المعضلة”، أو يخفف من وقعها، ويؤدى – بالتالى – الى تفاهم … ومن ثم تعايش الطرفين، فى امن وسلام باعتبار ان “الغالبية” فى كل طرف، تميل للوسطية والاعتدال، والمسالمة، وتعتنق مبدأ “لكم دينكم، ولي دين”.
****
ولكن، لابد ان تثار، فى خضم هذا التشخيص المبسط، والمبدئى، لعلاقات الجانبين، تساؤلات حتمية، نذكر منها :
– كيف لحوار منهجى جاد ان ينشا بين الجانبين، فى ظل هذا الاختلال فى توازن القوى بينهما. اى فى ظل كون الغرب المتنفذ تحديدا، هو الاقوى – بمراحل – من الجانب العربى والاسلامى، بل هو المهيمن على معظم العالم ؟!
– من يمثل – بالفعل، وحقا – العرب والمسلمين ؟! فلاشك ان مسالة “التمثيل” ربما تكون اهم عنصر فى الحوار الحق، وهى محسومة فى الغرب. اما فى معظم العالمين العربى والاسلامى فهى غير محسومة، ومرتبكة، وغير شرعية غالبا – كما هو معروف.
– وكيف لمثل هذا الحوار ان يتم – ويثمر ايجابا – وبعض “جماعات المصالح” فى هذا الغرب، لايهمها (تجاه العرب والمسلمين) سوى : سحق، واضعاف (واستغلال) بلادهم، والعمل على بقاء – واستمرار – حالة الضعف والتوتر الراهنة لان التوتر يعكر صفو الماء… وهى قوى لا تتقن الاصطياد (بمهارة) الا فى الماء العكر … ؟!
ان هذه القوى الغربية هى التى تستميت فى محاربة العرب والمسلمين، باداتى : الاستعمار الجديد والصهيونية. وهاتان “الاداتان” هما اهم اسباب الغضب الشعبي العربى المتاصــل والعميق، من الغرب. وهي أهم اسباب الصراع (الخفي والمعلن) بين الطرفين. ونترك الاجابة على هذه التساؤلات الكبرى، لمن يهمهم قيام حوار مثمر وجاد بين هذين الطرفين، من العقلاء والحكماء والخيرين، فى الجانبين، وهم كثر الان.
****
ما ذكر هنا، يؤكد ان الخلاف القيمي، والمصلحي، هو أساس الصراعات الرئيس بين الأطراف الدولية المختلفة. والواقع، أن هيمنة الغرب على العالم، منذ حوالي مئتي عام، نسبة للأطراف الدولية الأخرى (مع اقتران هذه الهيمنة بالاستعلاء، والاستغلال، والاستعمار، والظلم …الخ)، مكنت الغرب من هذه السيطرة الكاسحة، ومن بسط نفوذه (المفاهيمي) على تطور الحضارة الإنسانية، بصفة عامة. ففي عالم اليوم مفاهيم شتى… معظمها وليد البيئة والحضارة والأفكار الغربية. حتى أن بعض علماء السياسية والاجتماع يرون أن التطوير، والتحديث، والتقدم الاجتماعي والسياسي، لابد أن يسير وفق المسار الذي سار فيه الغرب. وبعضهم يصف عملية التنمية السياسية والاجتماعية المعاصرة بأنها عملية “تغريب” Westernization)) … أي السير حذو الغرب، واعتباره القدوة التي يجب أن يقتدى بها التقدميين، والتطويريين، والتحديثيين، في أي مجال، وفي كل أرجاء العالم، وسواء كانوا في الصين، أو الهند، أو العالم العربي، أو أي بقعة أخرى؟!
ولكن هذه الهيمنة تظل جزئية، وتقابل بالرفض، من قبل معظم قوميات العالم غير الغربية، والاستياء من محاولات الغرب فرضها على العالم، ماديا، ومعنويا (قيميا). وذلك رد فعل طبيعي، ومتوقع، من قبل غير الغربيين، خاصة أولئك الذين عانوا من “ظلم” الغرب ما عانوا. ثم أن المحافظة على الذاتية، والخصوصية (غير السلبية) أمر محمود، ومطلوب، ومن حق كل شعب أن يحرص على التمسك به، ورفض ما يعارضه (الحرية). والأكثر تفضيلا، هو نبذ القيم السلبية، التي ينتج عن التمسك بها أشياء سلبية، تضر أصحابها، أكثر مما تنفعهم، والتمسك بما هو إيجابي ونافع من القيم، أينما كان مصدره. ونسارع بالقول هنا: أن لدى الغرب أيضا قيما إيجابية، صالحة ( بتعديلات طفيفة) لكل مكان وزمان.

