الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

حــــرب انتحارية قد تمهـــد للحرب الأخطــــر…؟!

قلنا إنه عندما نحاول حصر أهم “أطراف” هذا الصراع الدولي الساخن بأوكرانيا، الذي يصفه البعض بأنه تمهيد للحرب العالمية الثالثة والأخيرة، وموقف كل طرف، سنجد أن هذه الحرب تهم وتشغل معظم العالم. ويمكن أن نختصر كل المعنيين بهذه الحرب في أربعة أطراف رئيسة، هي الأطراف المباشرة، وشبه المباشرة، الأهم في هذا الصراع، وهي: روسيا، الغرب (حلف ناتو)، أوكرانيا، بقية العالم. وقد لخصنا موقف كل من روسيا والغرب، في المقال السابق. واليوم نتطرق لموقفي أوكرانيا، وبقية العالم.

****

– أوكرانيا (قربان الصراع):
لقد دفع الغرب روسيا دفعا لغزو أوكرانيا. ونكث بوعوده، وتعهداته، بعدم توسع حلفه (ناتو) شرقا. استغل انشغال روسيا في مشاكلها الداخلية، فتوسع الى حدودها الغربية. وضم دولا متاخمة لروسيا، واضعا بعض قواته وصواريخه قريبا من البر الروسي. وعندما قويت روسيا، تنبهت لهذا الاقتراب سيء المقصد، وبدأت تدعو لوقفه. ولكن الغرب استمر في التوسع شرقا، غير مبال بالمخاوف الأمنية الروسية المشروعة، وغيرها. فقرر ضم أوكرانيا للناتو، وهي الدولة الاقرب لروسيا. عمل ذلك، رغم وجود نسبة كبيرة من الاوكرانيين تميل لروسيا، ورغم تحذير روسيا بعدم ضم أوكرانيا للناتو، لان ذلك يهدد أمنها القومي، لدرجة خطيرة جدا.
أخذ الغرب يتدخل في الشؤن الداخلية لأوكرانيا، وبشكل سافر، أحيانا. وساهم في وصول حكومة فولاديمير زيلينيسكي، الموالية، والعميلة، له للسلطة. وأقيمت بأوكرانيا مصانع سرية للأسلحة البيولوجية والكيميائية، وبذل جهدا محموما لتهيئة أوكرانيا لعضوية الناتو. وفي ذات الوقت جمدت أمريكا اتفاقية عدم نشر الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في شرق ووسط أوروبا. وكانت روسيا تراقب هذا الوضع بقلق، وغضب شديدين، حتى تفجر غضبها. ثم اندفعت لغزو أوكرانيا ابتداء من يوم 4 فبراير 2022م.
****
والملاحظ، امعان القيادة الأوكرانية، بزعامة زيلينيسكي، في مواصلة الحرب والقتال، والتماهي التام مع الخطة الغربية، في معركة خاسرة تماما، بالنسبة لبلدهم. فهم يواجهون قوة عسكرية عظمى، لن يستطيعوا الصمود أمامها، ناهيك عن الانتصار عليها، مهما تدفقت المساعدات العسكرية والسياسية إليهم من الغرب. والنتيجة النهائية ستكون مزيدا من العناء والتدمير للشعب الاوكراني. صحيح، ان ذلك قد يستنزف بعض قوى روسيا، ولكن قدر هذا الاستنزاف سيكون محدودا، ولا يتناسب مع حجم تدمير دولة كبيرة ومتقدمة مثل أوكرانيا.
ان القيادة الأوكرانية الحالية تقدم بلادها قربانا لحلف ناتو، الذي لا يريد من ضمها اليه سوى “استخدامها” ضد جارتها، وشقيقتها، روسيا. فأي منطق يتبعه ساسة أوكرانيا، بإصرارهم على مواصلة الحرب، خاصة بعد أن اتضحت أهداف الغرب، ونواياه، تجاه بلادهم، وجيرانها؟! كان، ومازال، بإمكان قادة أوكرانيا مهادنة الروس، والتفاوض معهم، والبقاء على الحياد، لحماية بلادهم، وشعبها، من هذا التدمير الهائل. فغالبا لن يكسبوا من عضوية الناتو الا أن يصبحوا “في فم المدفع”.

****

ان رد فعل الغرب (ناتو) على هذه العملية العسكرية الروسية، تجسد في عدة إجراءات مضادة خطيرة، من أهمها: التنديد الشديد بروسيا، وفرض عقوبات غير مسبوقة عليها، إضافة الى انشاء جسر جوي بين الغرب وأوكرانيا، لتزويد الأخيرة بأسلحة وصواريخ متطورة جدا، وتفعيل خطط الناتو الدفاعية، وانشاء مجموعات قتالية إضافية، في الجانب الشرقي للحلف، كل ذلك يجعل الغرب منخرطا في الحرب ضد روسيا، وان بشكل غير مباشر. أي اننا نشهد الان حربا ضروسا غير مباشرة بين الغرب وروسيا، توشك، لو “صعدت” قليلا، أن تصل لدرجة حرب شاملة مباشرة (ونووية)… حرب عالمية ثالثة، قد تكتب نهاية هذا العالم، كما نعرفه. ان لدى كل من أمريكا وروسيا من الأسلحة النووية فقط ما يمكن، لو استخدم، أن يدمر العالم ست مرات. ومن المستبعد ألا يستخدم هذا السلاح في أي اصطدام مباشر حاد بينهما، خاصة بعد أو ضعا ترسانتيهما النوويتان على “أهبة الاستعداد”.

****

– معظم بقية العالم: وهو الطرف الرئيس الرابع في هذه المأساة:
لا شك أن هناك تداعيات كثيرة، واثار مختلفة، محلية وإقليمية وعالمية، لهذه الأزمة العالمية الأكبر في الوقت الحالي. فهذه الازمة فرضت على العالم كله، وان بدرجات متفاوتة، عدة تحديات شائكة في كل جوانب الحياة العامة، تقريبا. صحيح، أن معظم هذه التحديات، مازالت “محتملة” (متوقعة) وليست حالة، ومتواجدة فعلا. ولكنها شبه واقعة. وان تفاقمت وتصاعدت الحرب، ستتفاقم هذه التداعيات. ويعتقد أن هذه الحرب قد طالت، بأكثر مما كان متوقعا. وقد تضع أوزارها قريبا، ما لم يتدخل حلف ناتو مباشرة (وهو أمر مستبعد، حتى الان) أو غير مباشرة، كما يفعل الان، عبر تقديم أسلحة متنوعة ومتطورة لأوكرانيا.

ان روسيا وأوكرانيا تصدرا ما يعادل ثلث صادرات العالم من القمح والشعير، وغيرهما. الامر الذي يعطى هاتين الدولتين نفوذا، و”سلاحا غذائيا هاما”. وقد تسببت حرب روسيا على أوكرانيا في توقف الأخيرة عن الزراعة طيلة الموسم القادم 2022- 2023م، وربما ما بعده. وهذا يعني وقف صادراتها من هذه المادة الغذائية الحيوية. وحدوث نقص في المواد الغذائية، يفاقم من معاناة فقراء بالعالم النامي. الامر الذي ربما يؤدي الى عدم الاستقرار، ونشوب الاضطرابات في بلادهم. هذا، إضافة الى التوقف التدريجي لانسياب النفط والغاز الروسي الى أوروبا، وما ينجم عن هذا التوقف من مشاكل ومضايقات جمة، كانت أوروبا في غنى عنها. ولكن، يظل أكبر وأخطر تداعيات هذه الحرب هي اتساع دائرة التصعيد بين روسيا والغرب. وبالتالي، ارتفاع احتمالات حصول الكارثة الأكبر …وهي الاصطدام الهائل المباشر بين روسيا وحلف ناتو، وحدوث ما لا تحمد عقباه، أي الهلاك… لمعظم ما على الأرض.

******************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *