الحرب (War) هي ظاهرة قديمة قدم المجتمعات البشرية. وهي معركة مادية، تستهدف القتل والاعاقة، وتدمير الاسلحة، والمنشئات، والممتلكات. ولا تقتصر أضرارها على العسكريين المحاربين. بل انها كثيرا ما تطال السكان المدنيين غير المحاربين. انها معركة قانونية، غالبا ما تنتهي بإبرام اتفاقيات معينة جديدة بين اطرافها، وربما الغاء اتفاقيات أخرى.
تعني السياسة والدبلوماسية – ضمن ما تعني- مقارعة الخصوم والمنافسين، في الاجتماعات وعلى طاولات المفاوضات. بينما تعنى الحرب: مقارعة الخصوم والاعداء في ساحات الوغى، باستخدام القوات المسلحة. والحرب تعني أيضا: “ممارسة العنف المسلح المنظم، بين الجماعات الانسانية. وهي الوسيلة الاكثر قسرا، المتاحة للدولة لتحقيق أهدافها”. وهي أيضا، كما قال عالم السياسة الشهير “كلاوزفتز“: “استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. والحرب تعتبر كارثة محدقة، كثيرا ما تنتهي بتضرر كل اطرافها، بدرجة، أو بأخرى. وفي أكثر الاحيان لا يوجد “منتصر” فيها. فكل أطرافها خاسرون، مهزومون. والمؤكد أن الاضرار تكون فادحة جدا، ان استخدم في الحروب أسلحة الدمار الشامل.
وأسباب الحرب هي أسباب الصراعات الدولية. فأي صراع دولي قد يتفاقم، ويتطور، ليصل الى ذروته في الخلاف فيما بين أطرافه، لمرحلة الازمة. وذلك قد يعني وصوله – عند هذه النقطة- لدرجة الحرب، وتبادل إطلاق النار. ومن أهم ما تهدف اليه الحرب، هو: محاولة تحقيق أهداف أطرافها، وخاصة الطرف المبادأ، قسرا، بعد فشل تحقيقها سلما، ومحاولة اقناع العدو بأن الرضوخ لمطالب الطرف المبادر بالهجوم، أفضل من استمرار الحرب.
****
الحرب هي اخر وأخطر الوسائل التي تتبع لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدول. وتقسم لأنواع، منها الحروب العالمية. ومعروف ان العلم والتقنية تتطورا بشكل هائل، ويوما بعد يوم. وذلك ينعكس على تطور الاسلحة والعتاد الحربي، وفنون الحرب والقتال، خاصة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل. وكل هذا يجعل الحروب الدولية أكثر خطورة، مع مرور الزمن. ومنذ اكتشاف واستخدام وتطوير أسلحة الدمار الشامل، أمست الحروب تمثل دمارا شاملا للأحياء، وممتلكاتهم، وللكرة الارضية وسكانها، بصفة عامة.
وقد شهد القرن العشرين، اكتشاف واستخدام وتطوير هذه الاسلحة، وخاصة النووية، التي استخدم منها قنبلتين صغيرتين حتى الان، في نهاية العام 1945م. وشهد نفس القرن أيضا أسوأ وأخطر حربين تعرضت لهما الانسانية، حتى الان، هما: الحربين العالميتين الاولى والثانية. اشتعلت الاولى يوم 28/7/1914م، ووضعت أوزارها يوم 11/11/1918م. شارك في هذه الحرب حوالي 100 مليون شخص، من 30 بلدا مختلفا. وطرفيها كانا: “قوات الحلفاء”، المكونة من: فرنسا، بريطانيا، روسيا، ايطاليا، اليابان، أمريكا. و”القوى المركزية”، المكونة من: المانيا، النمسا، المجر، تركيا. وقد قتل في هذه الحرب حوالي ستة ملايين شخصا، وسقط عدة ملايين جرحى، ووقعت خسائر مادية فادحة.
****
أما الحرب العالمية الثانية، فبدأت يوم 1/9/1939م، واستمرت ست سنوات، لتنتهي يوم 2/9/1945م. وكان طرفاها: “دول الحلفاء” (فرنسا، بريطانيا، أمريكا، الاتحاد السوفييتي، الصين). و”دول المحور” (المانيا، ايطاليا، اليابان). وقتل في هذه الحرب حوالي 60 مليون شخصا. اضافة لعدة ملايين من الجرحى، ودمار شامل لمدن وبلاد بأكملها.وبتاريخ 6/8/1945م، القت أميركا أول قنبلة نووية على مدينة هيروشيما اليابانية. كان وزن القنبلة 20 كيلو طنا فقط. وأسفرت عن مقتل 75 ألف شخص على الفور، وجرح أكثر من 70 ألفا. اضافة الى تدمير المدينة بشكل شبه تام. وتم تقدير عدد الذين قتلوا، فورا ولاحقا، بحوالي 200 ألف شخص. وبتاريخ 8/8/1945م، ألقت أميركا القنبلة النووية الثانية على مدينة ناجا زاكي اليابانية. كان وزن القنبلة 20 كيلو طن أيضا. وقتلت، في دقيقتين، حوالي 40 ألف شخص فورا، وجرحت أكثر من 25 ألف شخصا. وبقيت الاثار الاشعاعية القاتلة تمرض وتقتل الالاف، حتى يومنا هذا.
****
كان الهجوم النووي الامريكي على اليابان هو الاول والوحيد من نوعه حتى الان. واليوم، وبعد 76 عاما من ذلك الهجوم، ننظر حولنا، فنرى تطورا هائلا في القدرة التدميرية للسلاح النووي، مقارنة بتلك القدرة قبل حوالي ثلاثة ارباع القرن. كما نجد أن عدد الدول التي تملك أسلحة نووية في تزايد (بلغ 9 دول حتى تاريخه). ونجد توترات وصراعات دولية لا حصر لها.ونعايش أيضا صراعا حادا بين القوى العظمى والكبرى على صدارة العالم، وتنافسا على امتلاك أفتك الأسلحة، في سباق محموم على التسلح. ولو قامت حرب عالمية ثالثة – لا سمح الله- وبصرف النظر عن أطرافها الاصليين، فان دمارا شاملا يصعب وصفه، جزئيا أو كليا، سيلحق بالكرة الارضية، ويقضى على ما عليها من أحياء ونبات ومنشئات. ومع الأسف، تلوح في الأفق الان احتمالات نشوب هذه الحرب، بسبب الصراع في أوكرانيا، وغيرها.
ان رد فعل الغرب (ناتو) المتشدد، على الحرب بأوكرانيا، والذي تجسد في التنديد الشديد بالعملية العسكرية الروسية، وفرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا، إضافة الى انشاء جسر جوي بين الغرب وأوكرانيا، لتزويد الأخيرة بأسلحة متطورة جدا، وتفعيل خطط الناتو الدفاعية، وانشاء أربع مجموعات قتالية إضافية، في الجانب الشرقي للحلف، كل ذلك يجعل الغرب منخرطا في الحرب ضد روسيا، وان بشكل غير مباشر. أي اننا نشهد الان حربا بين الغرب وروسيا، لو “صعدت” ستصل لدرجة حرب شاملة مباشرة (ونووية)… قد تكتب نهاية هذا العالم.
قال أحد المحللين السياسيين الغربيين: لو قامت “الحرب العالمية الثالثة”، فان ذلك سيعنى أن “الحرب العالمية الرابعة” سيتم خوضها بالسيوف والدروع، والخيول. لان العالم سيعود لأكثر من قرنين للخلف، ولن تكون هناك أسلحة حديثة. رد عليه معلق اخر بالقول: لو قامت الحرب العالمية الثالثة، فلن تكون هناك حربا عالمية رابعة، بعد أن ينقرض البشر…؟!
***********************************
