قال تعالى في سورة الكهف : (قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيني وَبَينِكَ ۚسَأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَم تَستَطِع عَّلَيهِ صَبرًا (78) أَمَّاٱلسَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَٰكِينَ يَعمَلُونَ فِي ٱلبَحرِ فَأَرَدتُّ أَن أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِك يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصبا (79) وَأَمَّا ٱلغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمِنَينِ فَخَشِينَا أَن يُرهِقَهُمَا طُغيَٰنا وَكُفرا (80) فَأَرَدنَا أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرا مِّنهُ زَكَوٰة وَأَقرَبَ رُحما (81) وَأَمَّا ٱلجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَينِ يتمين فِي ٱلمَدِينَةِ وَكَانَ تَحتَهُۥ كَنز لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَستَخرِجَا كَنزَهُمَا رَحمَة مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلتُهُۥ عَن أَمرِيۚ ذَٰلِكَ تَأوِيلُ مَا لَم تَسطِع عليه صبرًا (82).
مَن مِنَّا يعلم الغيب..!؟ حتى نبي الله موسى عليه السلام لم يعلم الغيب فلم يستطع الصبر على ما رآه من أفعالٍ أرادها الله بقدره سبحانه أن تتم لأن فيها الخير الكثير من ورائها فلم يدركها نبي الله وكان يسأل عن سبب وقوعها.
فهل نحن أعلم بنبي الله موسى بما يريده الله لنا وبما كتبه علينا من نعمٍ كثيرةٍ -نراها خيرًا أو شرًا- لا نستطيع حصرها.. قد نعلم بعضها بعد حينٍ وقد لا نعلمه..!؟ تحدث لنا في حياتنا أمورًا كثيرةً قد تؤلمنا أو تغضبنا أو تجعلنا ننيأس فنتذمر ونتأفف منها ونسأل الله تعالى لماذا يارب..!؟
ولكننا لا نعلم بما هو من ورائها من خيرٍ لنا مثل أن ترغب الفتاة في الزواج من رجل ما ولكن أهلها يرفضونه فلا يتم الزواج فيتزوج من غيرها فتبكي وتتألم لفراقه فيبدلها الله خيرًا منه، أو أن يريد الفتى الالتحاق بتخصص جامعي معين فترفضه الجامعة فيلتحق بغيرها من التخصص وهو يتذمر ولا يعلم أن الله قد هيأ له أمرًا آخرًا، أو أن يمرض طفل فيموت ويبكي والديه ألماً على فراقه وحسرةً لفقده ولم يعلما السبب من وراء ذلك فقد تكون هناك عدة أسباب خفية فيها خيرٌ لهما، أو أن يدخل شخصٌ في تجارةٍ فتخسر ويضيع ماله فيبكي ويتألم على ضياع ماله، كما حصل في الأسهم مثلاً…أموراً كثيرة تحدث لنا في حياتنا لا نعلم سببها وما الخير من ورائها إلا بعد سنواتٍ طويلةٍ أو بعد فترةٍ قصيرةٍ أو قد لا نعلمها أبدًا إلا بعد الموت.. سبحان الله علم الغيب من اختصاصه وحده فقط، وما كان السيد الخضر عليه السلام إلا امتثالاً للقدر الذي كتبه الله للناس جميعًا وهم لا يعلمونه..
لذلك كان لزامًا على كل مسلمٍ أن يؤمن بالقدر خيره وشره.. فالقدر كله بالأصل خير، حتى الشر منه في ظاهره هو خيرٌ في باطنه لا نعلمه أبدًا.. قد يتذمر الفقير لفقره وهو لا يعلم أن الفقر خيرٌ له فلو كان غنيًا لربما طغى أو أسرف، والمريض يتذمر لمرضه وهو لا يعلم أن في مرضه هذا خيرٌ كبيرٌ له بتخفيف ذنوبه ورفع درجاته لأن الله يحبه ويريد له الأجر العظيم في الآخرة.. فمريض السكري عندما يأخذ إبرة الإنسولين في اليوم ثلاث مرات أو أكثر ويحتسب الأجر العظيم عند الله في كل مرة فإنه سيرتقي درجات عند الله وتمتلئ صحيفة أعماله بالأجر والخير له لن يراها إلا في الآخرة؛ لتمنى لو أنه كان يأخذ تلك الإبرة في كل ساعة أو في كل دقيقة.. فعن أبي هُرَيْرة رضيَ اللَّه عَنْهُمَا عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه متفقٌ عَلَيهِ.
فلو جميعنا أدركنا ما أتى الله به من آياتٍ كريماتٍ في سورة الكهف التي طلب منَّا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نقرأها في كل جمعةٍ على الأقل كي ندرك كنه معنى آياتها العظيمة والإيمان بما فيها فنتعلم أن الغيب بيد الله وحده لا شريك له، وأن كل ما يصيبنا من أمورٍ في هذه الدنيا فيه خيرٌ عظيم لنا في الآخرة، لصبرنا واحتسبنا الأجر العظيم من عند الله تعالى، وهذا مجرد مثال فقط لما يحصل معنا في حياتنا ولا ندرك عظمتها وأجرها عند الله تعالى، فلا نصبر ولا نحتسب بل نتذمر ونتأفف ونتألم ونشكي.
لقوله عز وجل :{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}الزمر:(10)، وقوله سبحانه: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}الأنفال(46)، وقال ﷺ: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له)، هكذا المؤمن صبور عند البلاء شكور عند الرخاء.
والصبر عند البلاء بأن يكف لسانه عما لا ينبغي ويكف جوارحه عما لا ينبغي ويكون قلبه مطمئنًا شرحًا لا جزعًا هذا هو الصبر، أما الجزع فلا يرد عن صاحبه شيئًا يأثم بلا فائدة كشق الثوب، ولطم الخد والصياح والنياحة، كل هذه الأفعال منكرة ولا تنفع صاحبها؛ ولهذا يقول ﷺ: (ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية: رواه مسلم، ويقول ﷺ: (إن عِظَم الجزاء من عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.)
كل مِنَّا لديه مصيبة أو ابتلاءٍ أو مرضٍ أو فقرٍ أو وجعٍ أو حسرةٍ ووالله لو اطلعنا كلِّ منَّا على ما أصاب غيرنا لعلمنا أن مصيبتنا أهون مما أصابهم ولحمدنا الله وشكرناه.. وما ابتلاء نبي الله أيوب إلا عبرةً لنا فيما أصابه. وإذ أحمد الله أنني عودت نفسي في كل وجعٍ أو ألمٍ أو ابتلاءٍ يصيبني أن أحمده وأشكره فورًا لأنني على يقين من أنه ما ابتلاني إلا لخيرٍ يعلمه هو فإن شكرته أخذت الأجر وأصبت بالخير.. صحيح أننا نشتكي أحيانًا مما أصابنا لمن هم حولنا من أهلنا ولكن ليس لقلة الصبر بل هي طبيعة الإنسان بالتعبير عما أصابه من مصيبةٍ لغيره ليخفف عنه الآخرين بكلماتٍ فيها الدعاء الطيب فيكون خيرًا له، أو نخبره ليعلم أن كل مؤمنٍ مصاب.
جعلني الله وأياكم من الصابرين المحتسبين للأجر إن شاء الله تعالى..
