في حياتي المهنيَّة بعد أن انتقلت من العمل كمعلِّمة علم نفس إلى إدارة التخطيط والتطوير من حوالي ثلاث وثلاثين عامًا تعلمت معنى كيف تكون الإدارة.. ففي تلك الإدارة تعلمت كيف أتعلَّم بنفسي وكيف أُقيِّم أعمالي وأقوِّمُها وكيف أتعامل مع المهام الصَّعبة تحت الضغط الشديد وإنجازها في وقتٍ وجيز..
تعلمتُ أن العمل أمانة يجب أن أؤديها على أكمل وجه وأن أؤديها بحب وشغف..
وكانت مديرة إدارتنا فخورة بنا تقدمنا للجميع بكل فخرٍ واعتزازٍ في جميع المحافل، وزرعت فينا الثِّقة بالنفس وخَلَقت مِنَّا جميعًا (أعضاء الإدارة) قيادات للمستقبل قادرات على العمل الإبداعي يشهد لنا الجميع..
فأنا مثلاً تقلبت في عدة مناصب في الإدارة نفسها من مسؤولة الدراسات والأبحاث التربوية إلى رئيسة قسم المناهج ومنسقة المشروعات الوزارية ومدربة ومسؤولة الإعلام التربوي بالإدارة، وعملت كالأخطبوط في كلِّ شيء لم أتردَّد للحظة بالعمل ولم أَتقاعس؛ وكنت أعمل ليلاً نهارًا بِلا كللٍ أو مللٍ أو شكوى؛ لأنني كنت أدرك أن كله خيرٌ لي في المستقبل.. ولأن مديرتنا كانت تشعرني بأن ذلك العمل مُهِمًا وأنني الشخص المناسب لهذا العمل -مَهْمَا كان نوع ذلك العمل-؛ لذا كنت أتحمس لإنجازه بالشكل المطلوب وفي الوقت المطلوب، وكنت أشعر بلذة غريبة عند الانتهاء منه وإنجازه على أكمل وجه؛ لذلك تنوعت خبراتي الوظيفية وأصبحتُ قادرة على العمل في كُلِّ شيء، إضافةً إلى حبي وشغفي في القراءة والتدريب والتعلُّم المستمرين، وكان همَّي الأكبر تحقيق أهدافي وأهداف إدارتي بإبداعٍ متميز في وقتٍ وجيز..
فالإدارة فنٌّ وتكتيك وتكامل.. وإن تشعبت أنواع الإدارة ومفاهيمها أو اختلفت في تعريفاتها إلاَّ أنها تُعرَّف بأنها عملية تخطيط وتنظيم وتوجيه وتنسيق وتقويم؛ تسعى إلى تحقيق أهداف معينة؛ لذا يمكن القول أنَّه لابد أنْ يكونَ لكَ هدفًا أو مجموعة أهدافٍ تعمل على تحقيقها مع الآخرين بيسرٍ وسهولة في أقل وقتٍ ممكن لتنجز خططك وتحقق أهدافك.. (ضع هدفك ثم ضع خطة العمل ثم حدد آليات العمل ثم اختار الأشخاص المناسبين للقيام بهذا العمل ثم راقب ثم قوِّم العمل ثم حَسِّنْ وعدِّل وطوِّر)
وفي حال قيامك بأي عَملٍ يُسندُ إليك.. فإنَّكَ بالتالي تنوع خبراتك المهنية فتنمو مِهنيًا بشكلٍ سريع.. ومع ذلك نسمع أحيانًا أنَّ بعض الموظفين يرفضون القيام بأعمالٍ مختلفةٍ أو بعيدة عن اختصاصهم، عِلمًا أنَّ الموظف في تلك الحالة لا يُدرك أنَّه حرم نفسه من التنوع في خبراته واتِّساع أُفُقِهِ واختبارِ قدراتهِ في الحياةِ المهنيَّة..
مَن مِنَّا لا يتمنى أنْ يرتقي بعملهِ ويفهم طبيعة مهامِّه على جميع الأوجه، وأن يكون قادرًا على التَّعامل مع الآخرين مهما كانت تخصصاتهم الوظيفية، وأنْ يكون قادرًا على الإجابة عن أي سؤال يُطرح عليه من خارج إدارته أو عن أي عملٍ مّا فيها (مستشار)..!؟
كل ما سبق خلق مني قيادية وإدارية متميزة ولله الحمد جادة وطموحة ونشيطة، رغم الصعوبات التي واجهتني والظروف التي حاولت من منعي من التقدم والارتقاء ؛ إلا أنني بفضل الرحمن استطعت أن ارتقي فعلاً في عملي من معلمة إلى مساعدة مدير إدارة قضايا شاغلي الوظائف التعليمية -القسم النسائي- ما قبل التقاعد، وحتى ما بعد التقاعد أيضًا عندما عملت مديرة لمدارس عالمية.. وهذا بفضل الرحمن تعالى الذي هيئ لي الظروف المناسبة والإرادة والعزيمة.
لذلك فإنني أرى أنه لابد من اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب في العمل؛ وفق خبراته وقدراته ومهاراته وإمكانياته وإنجازاته، وليس فقط وفق شهاداته.. الأمر الذي يجعله أقدر على التعامل مع الأمور الإدارية بشكل ناجح.
أخيرًا تذكَّر أنه ينبغي عليك أن تخلع رداء المنزل وتلبس رداء العمل، وتفكيرك وأنت في عملك ينصب على مهامك التي تقوم بها فقط فلا تخلط بين المنزل ومشكلاته والعمل ومتطلباته.
وتذكَّر أيضًا أنه ينبغي عليك أن تكون قدوة حسنة يمتثل بها الآخرين في العمل معك بأخلاقك الحسنة وتمسكك بدينك الحنيف، واجعل قدوتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.
كما تذكَّر أنه لابد لك من أن تنمي مهاراتك وتطورها باستمرار من خلال التدريب والممارسة والتعلُّم المستمرين.
وتذكَّر أن المدير الناجح لابد أن يعرف الوقت المناسب لاتخاذ القرارات السليمة.
والمدير الناجح يحاور ويشاور ويستشير ويقترح بعد أن يدع الموظفين يقترحون أيضًا ثم يقدم وجهة نظره.
والمدير الناجح ليس مجرد ناقل أو مطبق أو منفذ بل هو من يستطيع أن يتخطى البروتوكولات أحيانًا ليحقق أهداف المنشأة التي يعمل فيها بنجاح بطرقٍ مختلفة.
لك كمدير ناجح أن تكون لديك القدرة على التحمل والاحتواء لمن يعملون معك وأن تخلق لهم بيئة صحيَّة سليمة فيها الود والاحترام وقليل من خفة الدم؛ لتكون محبوبًا.
ولا تنسى أن صفات الإداري الناجح تكمن في شخصيته وطريقة تفكيره أيضًا، واغتنام الفرص المناسبة.
يقول أرسطو: “أن يغضب أي إنسان فهذا سهل… لكن أن تغضب من الشخص المناسب، في الوقت المناسب، وإلى الحد المناسب، وللهدف المناسب، بالأسلوب المناسب فهذا ليس بالأمر السهل”.
كيف تكون الإدارة !؟

في ميزان حسناتك صاحبة البصمة المميزة