الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

شعوب طيبة… وحكومات استغلالية…؟!

كشفت حرب روسيا الحالية ضد أوكرانيا الكثير من الأمور التي كان مسكوت عنها، أو متجاهلة، أو سرية. من ذلك، حقيقة التوجه العام لحكومات الغرب المتنفذ. ولجوء معظم هذه الحكومات الى الغدر، والتآمر، وخرق كل حقوق الانسان، وخدمة مصالح خاصة ضيقة، والتضحية بأرواح ومصائر بعض الشعوب، دون مبرر. إضافة الى النظرة العنصرية والاستعلائية، والاستغلالية للشعوب “الملونة” (غير الشقراء). لقد دفع الغرب المتنفذ روسيا دفعا لغزو أوكرانيا. وهذا الغزو يعتبر عدوانا فاضحا على دولة مستقلة، وذات سيادة، ويجب استنكاره. ولكن تحليل دوافع روسيا للأقدام على هذه الهجمة، يؤكد، دون أدنى شك، خبث وتامر الغرب المتنفذ… الذي “أضطر” روسيا للقيام بهذا الهجوم، دفعا لخطر فادح محتمل.

فالغرب المتنفذ نكث بوعوده، وتعهداته، بعدم توسع حلفه (ناتو) شرقا. استغل انشغال روسيا في مشاكلها الداخلية، فتوسع الى حدودها الغربية. وضم دولا متاخمة لروسيا، واضعا بعض قواته وصواريخه قريبا من البر الروسي. وعندما قويت روسيا، تنبهت لهذا الاقتراب سيء المقصد، وبدأت تدعو لوقفه. ولكن الغرب المتنفذ استمر في التوسع شرقا، غير مبال بالمخاوف الأمنية الروسية، وغيرها. فقرر ضم أوكرانيا للناتو، وهي الدولة الالصق بروسيا. عمل ذلك، رغم وجود نسبة كبيرة من الاوكرانيين تميل لروسيا، ورغم تحذير روسيا بعدم ضم أوكرانيا للناتو، لان ذلك يهدد أمنها القومي، لدرجة خطيرة جدا.

ولكن الغرب المتنفذ أخذ يتدخل في الشؤن الداخلية لأوكرانيا، وبشكل سافر، أحيانا. وساهم في وصول حكومة زيلينيسكي، الموالية له، الى السلطة. وأقيمت في أوكرانيا مصانع سرية للأسلحة البيولوجية والكيميائية، وبذل جهدا محموما لتهيئة أوكرانيا لعضوية الناتو. وفي ذات الوقت جمدت أمريكا اتفاقية عدم نشر الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في شرق ووسط أوروبا. وكانت روسيا تراقب هذا الوضع بقلق، وغضب شديدين. ثم اندفعت لغزو أوكرانيا ابتداء من يوم 4 فبراير 2022م.

****

ومعروف، أن الولايات المتحدة تعارض بشدة تنامي العلاقات الاقتصادية بين روسيا وأوروبا. وكان انشاء خط ” نورد ستريم 2″، الذي ينقل النفط والغاز الروسي الى المانيا، وبعض الدول الأوروبية الأخرى، نذير بتوثيق العلاقات الروسية – الألمانية بخاصة. لذا، أصبح وقف هذا الخط، والشروع في وقف كافة موارد الطاقة الروسية الى أوروبا، احدى “مزايا” غزو روسيا لأوكرانيا. وسقطت أوكرانيا، هذه الدولة الكبيرة والمتقدمة والجميلة، (ودمرت) ضحية لتامر الغرب المتنفذ، وغباء وتخبط حكومتها. إضافة الى قسوة الروس، وشراسة رد فعلهم.

وأوكرانيا الأوروبية ليست أول ولا أخر دولة تذهب ضحية للغدر والمؤامرات. وفي منطقتنا العربية، هناك دول وشعوب كانت – وما زال بعضها- يعاني مر الامرين، من عدم الاستقرار والاضطراب والاحتلال والتشرد، وما الى ذلك. ويكفي أن نذكر هذه الدول والشعوب، ليغمرنا الحزن والأسى. ان ماسي كل من: فلسطين، سوريا، العراق، الصومال، السودان، ليبيا، وغيرها، لا تخلو من “أصابع” للغرب المتنفذ، الذي، وان لم ينشئ بعضها، فانه يسهم، وبفعالية، في تفاقم هذه الماسي.

وتعتبر مأساة الشعب العربي الفلسطيني الحالية، والتي أوشكت أن تكمل سنتها الرابعة والسبعين على التوالي (ثلاثة أرباع القرن)، أسوأ مأساة انسانية يتعرض لها أي شعب في العصر الحالي. انها كارثة … لحقت بهذا الشعب، دون ذنب اقترفه، سوى أنه يريد أن يعيش في بلده وأرضه، حرا كريما، كما بقية شعوب العالم. حيث جيء بعصابات من شتى بقاع العالم، لتستولي على أرضه، وتقتلع غالبية ابناءه من بيوتهم وممتلكاتهم، لينهبها هؤلاء الغزاة، بحجج هي أوهى من خيوط العنكبوت. انها كارثة انسانية كبرى …. أحاقت بهذا القطر العربي العزيز، وبالأمة العربية بأسرها. وربما من أخطر وأسوأ مؤشراتها هي: مغادرة الاف الفلسطينيين اضطرارا لبلادهم، بأطفالهم وذويهم، هربا من جرائم الاحتلال، وتنكيله بأبناء هذا الشعب المقهور. وتطلع الكيان الصهيوني للتوسع، واحتلال المزيد من الاراض العربية.

ودمر العراق، تدميرا منهجيا مقصودا، بناء على أكاذيب ملفقة، وادعاءات مغرضة كاذبة، كانت الصهيونية الدافع لها، كما تبين لاحقا. وفي سوريا، واجه النظام المطالب السلمية المشروعة لغالبية الشعب السوري بالقوة والقمع والتنكيل. فاشتعلت ثورة شعبية شاملة في كل سوريا… وخلطت الاوراق من قبل النظام السوري، وبعض القوى الاقليمية (إيران، واسرائيل بخاصة) والقوى الغربية المتنفذة، اضافة الى روسيا. كل من هذه القوى يستغل المأساة السورية بما يضمن ما يسميه مصالحه … والنتيجة هي: تدمير الشعب السوري، وتدمير بلاده الجميلة.

****

ومما يبشر أن الدنيا تظل بخير، وكثير من البشر ما يزالون بشرا، هو: ان معظم شعوب الدول الغربية لا تقبل أي اجرام يرتكب باسمها. وان عرفت به استنكرته. فذلك سلوك إنساني نبيل، يحسب لهذه الشعوب الطيبة. ولكن، ومع الإشادة بهذه الشعوب، يجب أن نتذكر أن أغلب حكومات الغرب المتنفذ هي المسؤول (المباشر، وغير المباشر) عما حدث بأوكرانيا، وغيرها من الدول التي مرت (وتمر) بماس مشابهة. اذ يمكننا القول إن تلك الحكومات أسهمت – أيما اسهام – في خلق تلك الماسي ابتداء، أو ساهمت في تفاقمها لاحقا، بالتخاذل المقصود، وتجاهل معاناة الشعوب … بل والتعتيم أحيانا على هذه المعاناة …. بهدف تحقيق “مصالح” لها، أو نفوذ هنا، أو هناك.

ويكفي هنا، ولضيق الحيز، أن نذكر أن معظم حكومات الغرب المتنفذ تعارض قيام ” جهاز ” متخصص بالأمم المتحدة، يضمن نزاهة الانتخابات، وبخاصة في الدول النامية، ويحول دون قيام انظمة مستبدة، تسوم شعوبها سوء العذاب. يعارضون ذلك، ويتباكون على ما تعاني منه بعض الشعوب من استبداد وقهر…. ولكن، طالما كان ذلك القهر يصب فيما يعتبرونه مصالح لهم، فليكن … ولتذهب المشاعر والاعتبارات الانسانية، و”حقوق الانسان “، للجحيم … ليس كل الغرب إنساني النزعة.

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *