لو تساءلنا عن ماهي أكثر مناطق العالم اضطرابا، في الوقت الراهن، فإننا سنجد، مع الاسف، منطقة ” شرق العجائب الأوسط ” (كما يسميها البعض) هي أكثر مناطق العالم سخونة (مزمنة) واضطرابا، وعدم استقرار. ففي معظم أرجاء هذه المنطقة، التي تمتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، تجد صراعا، أو “مشروع صراع”، وفى اغلب الزوايا غضب، وأحقاد، وحنق، وغليان. وفى كثير من مضاربها نزاعات وماس ومظالم، وتخلف. ولعل أهم “مؤشرات” هذا العناء المضاعف الذي ابتليت به اغلب أنحاء المنطقة (والذي ينتج عن المسببين الرئيسين العتيدين، الذاتي والخارجي) هو: تعثر وبطء التنمية الشاملة، داخليا، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي بخاصة، واستحكام حلقة “الفقر – الجهل – المرض” بمعظم تلك الأنحاء، رغم ما تحظى به من موارد…. كانت ستجعل منها بلدانا مزدهرة. وكذلك هشاشة الوضع السياسي والأمني، والضعف في الساحة الدولية، والمعاناة من انعدام الامن والتشرذم. ناهيك عن غياب أي تطبيق يذكر للمبادئ المبجلة عالميا وإنسانيا. فلعل أغلب أرجاء هذه المنطقة – بصفة عامة – هي من أكثر مناطق العالم حرمانا من تفعيل وتطبيق مبادئ: الحرية، العدالة …الخ، والتمتع بما ينجم عن ذلك التطبيق من خير وراحة واطمئنان.
****
وبما أن معظم هذه المنطقة الان هي أكثر مناطق العالم اضطرابا، فلا عجب من كونها تحفل بالكثير من الصراعات والحروب الدولية، وأيضا الاهلية. ولا يستغرب أن تجري عملية التسلح في هذه المنطقة على قدم وساق. فإسرائيل (مثلا) تمتلك الان ترسانة ضخمة من الأسلحة التقليدية، وفوق التقليدية، وأيضا من أسلحة الدمار الشامل. وشراء وتوريد الأسلحة لأغلب دول المنطقة يتزايد. أما العمليات الأربع الخاصة بالحجر على التسلح، وهي: ضبط، ونزع وحظر ووقف التسلح، فيبدو أنها غير واردة بالمنطقة، الان على الاقل. لا يوجد أي اتفاق بين دول المنطقة، أو أغلبها، على ضبط التسلح، أو حظره، أو نزعه، جزئيا، أو كليا. بل توجد سباقات تسلح بين بعض دول المنطقة المعادية لبعضها. كما يوجد سباق تسلح نووي “مستتر”، بين إسرائيل وإيران، اللتان أشعلتا هذا السباق، والذي يميل للاتساع، بدخول دول أخرى اليه، كما هو متوقع. وبالتالي، زيادة خطورة هذه المنطقة.
****
الإحصاءات تشير الى تزايد اعتماد معظم دول المنطقة على التسلح، لمواجهة تهديدات أمنية متزايدة. جاء في تقرير “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”، الصادر في لندن، سنة 2016م، ان هناك سباق تسلح بين بعض دول المنطقة، وتهافت على شراء وتكديس الأسلحة. وهذا يؤكده ارتفاع مشتريات هذه الدول من الأسلحة. حيث استأثرت هذه المنطقة بحوالي ثلث مبيعات السلاح في العالم. وقد أنصبت معظم مشتريات دول المنطقة على شراء الأسلحة الجوية والبحرية، ونظم الدفاع الصاروخي، والطائرات المسيرة.
وزادت واردات دول منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة، بنسبة 61%، خلال الفترة 2015-2019م. وشكلت هذه الواردات35% من اجمالي الواردات العالمية للأسلحة في الفترة المذكورة. وما زالت الولايات المتحدة هي المصدر الأول للسلاح لدول المنطقة. حيث تصدر اليها أكثر من نصف هذه الواردات.
وتحتل روسيا المرتبة الثانية،بينما احتلت فرنسا المرتبة الثالثة بين الـــدول المصدرة للأســــــــلحة للمنطقــــــــــة ،في الفــــترة 2015-2019م. يحدث هذا، رغم محاولات بعض دول المنطقة تجنب الصراعات، و”تنويع” مصادر تسلحها.
****
ولا شك أن الانتشار النووي يمثل خطرا فادحا على المنطقة التي ينتشر فيها، خاصة عندما تكون هناك نوايا وسياسات لاستغلال القوة النووية لصنع أسلحة نووية … كما هو حاصل بالفعل بهذه المنطقة. اذ كرست اسرائيل كل امكاناتها النووية لصنع أسلحة نووية، موجهة ضد العرب، وغيرهم … بينما تحاول إيران، وربما أطراف أخرى بالمنطقة، حيازة الخيار النووي العسكري، واستغلال ما لديها من منشئات وامكانات نووية “سلمية ” لامتلاك سلاح نووي ضارب. انه سباق واضح للتسلح النووي، وقد بدأ … وان على استحياء، وقليل من خشية اعتراض المجتمع الدولي. والمسؤول الأساسي عن بدئه هو اسرائيل، وإيران الان.
عقدت عدة مؤتمرات وندوات، أجمعت على خطورة الوضع الراهن، وضرورة ضبط التسلح ووقف هذا السباق … واقامة ” منطقة شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل “(NFZ)، وخاصة السلاح النووي. ولكن اسرائيل، بامتلاكها لترسانة هائلة من السلاح النووي، ورفضها الانضمام لاتفاقية حظر الاسلحة النووية، جعلت مسألة اقامة هذه المنطقة ضمن عداد المستحيلات.
ان هذا السباق، التقليدي والنووي، يستنزف المزيد من موارد دول المنطقة، ويهدد في ذات الوقت، أمن هذه الدول. إضافة لكونه يزيد طين عدم استقرارها بلة. والمضي فيه يضاعف من أخطاره، سواء كانت بيئية، أو أمنية وعسكرية، على كل المنطقة، وكل دولها. من حق دول المنطقة الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض السلمية، ومن حقها امتلاك الخبرة النووية السلمية، في إطار الاتفاقيات الدولية ذات الصلة. ولكن، ليس من صالح المنطقة أن تستمر أوجاعها المزمنة، وأن يجرى فيها سباق، فيما بين دولها، للتسلح النووي، وغيره. فهذا السباق يمثل خطرا فادحا على الجميع،ويضع مسؤولية وقفه على الجميع، وخاصة الدول التي بادرت بالفعل بامتلاك السلاح الذري ، وأخذت تلوح به (وباستخدامه) على مدار الساعة… فلم تترك لخصومها الان الا خيار السعي، هي أيضا، لامتلاك هذا النوع من السلاح الرهيب والرادع.
***********************************************************
