يلاحظ المراقبون السياسيون تنامى التنسيق الاستراتيجي بين روسيا والصين، وما لهذا التنامي من تداعيات عالمية، اقتصادية، وسياسية وعسكرية كبرى. وأكثر من يتوجس خيفة من هذا التقارب الروسي -الصيني هو الغرب المتنفذ، الذي يفضل – بالطبع- أن ينفرد بكل منهما وحده، ودون ظهير قوي لاي منهما. ومما يجعل بعض المراقبين يتنبؤون بقرب قيام تحالف صيني- روسي، ضد عدو عتيد مشترك، هو أمريكا/ ناتو، ما يمكن استنتاجه بعد القمة الروسية -الصينية، المنعقدة يوم4/2/2022م، في بيكين. فالبيان الختامي المشترك الذي صدر بعد هذه القمة الروسية – الصينية، يحتوي على الكثير مما يجب توقعه، بشأن العلاقات الروسية – الصينية القادمة، والتي سيتضمنها النظام العالمي (المتعدد الأقطاب) الذي قام مؤخرا. ذلك البيان يحمل عدة رسائل هامة، موجهة من القطبين الصيني والروسي، الى الغرب المتنفذ، والى كل العالم. ومعظم هذه الرسائل تستحق الوقوف عندها، لاستيعاب مضامينها، وتحليل ما يترتب عليها، ويدفع لتذكر أهم ملامح العلاقات الروسية الصينية الحالية، واحتمالات قيام تحالف استراتيجي بين البلدين.
وتعود العلاقات الروسية – الصينية الحديثة لعام 1949م، مع قيام جمهورية الصين الشعبية. وأخذت هذه العلاقات تزدهر الى أن حصل بين الطرفين خلاف عقائدي، تمحور حول تفسير بعض مبادئ الماركسية، كاد أن يعصف بهذه العلاقات، لا سيما أن هذا الخلاف تلازم مع خلاف حدودي حاد. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، سنة 1991م، سارعت كل من روسيا والصين لعقد اتفاقية تعاون وصداقة متجددة، لخدمة المصالح المشتركة. وهذه الاتفاقية أعطت دفعة قوية لعلاقاتهما الثنائية،خاصة بعد تسوية خلافاتهما الحدودية، بشكل نهائي.
****
ولعل أكبر ما يوطد العلاقات بين هذين العملاقين، هو موقف البلدين من السياسة الامريكية تجاههما، وتجاه كثير من القضايا العالمية والإقليمية. فمن أهم القضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين، هي السياسات الامريكية هذه، والتي للروس والصينيين رؤية موحدة نحو معظم مضامينها. الامر الذي يدفعهما لاعتبار أمريكا، والغرب المتنفذ، عدوا مشتركا… تتطلب المصالح الروسية – الصينية مواجهته بموقف موحد.
وهناك علاقات اقتصادية متنامية بين الجارين الكبيرين. وتستأثر الصين وحدها بما يعادل 40% من صادرات الأسلحة الروسية. وهذه الأسلحة تشكل حوالي 70% من اجمالي واردات الصين من السلاح المصنع خارج الصين. وتعتبر الصين ثالث أكبر شريك تجاري لروسيا، بعد كل من ألمانيا والولايات المتحدة. هذا، إضافة الى ما يعــرف بـ “مجموعة بريكس” (BRICS) وهو التكتل الاقتصادي الضخم، الذي أنشئ عام 2001م، بقيادة روسيا والصين، والذي يضم في عضويته، إضافة اليهما، كل من البرازيل والهند وجنوب افريقيا.
****
ويلاحظ المراقبون سعى كل من روسيا والصين لتشكيل تحالف إقليمي، أو تكتل أقوى، لمواجهة ما تسمياه “الاختراق الأمريكي للمنطقة”. ولعل أهم ما تمت اقامته، حتى الان، هو “مجموعة شانغهاي”، التي أسست عام 1996م، في محافظة شانغهاي، وتضم كل من: الصين، روسيا، طاجكستان، كازاخستان، قيرغيزستان، أوزبكستان. وهدفها المعلن هو: مواجهة الاخطار المشتركة، وتنسيق الحرب ضد ما يعتبرونه الإرهاب. وقد طالبت هذه المجموعة بخروج جميع القوات العسكرية الأجنبية من منطقة وسط اسيا، في إشارة الى القوات العسكرية الامريكية المتواجدة بالمنطقة.
ولكن هذه العلاقات بدأت تتوثق بشكل متسارع ومتواصل، منذ صعود فلاديمير بوتن للسلطة في روسيا. ففي عام 2001م، وقع البلدان معاهدة التعاون وحسن الجوار الروسية – الصينية، الهادفة لتوثيق تعاونهما أكثر. وقد وقعت هذه الاتفاقية لتحل محل اتفاقية التعاون الموقعة بينهما عام 1950م، من قبل كل من ستالين وماو تسي تونج. وهذه الاتفاقية تدعم “الشراكة الاستراتيجية” بين البلدين، وتؤكد نظرتهم المطالبة بضرورة إعادة صياغة النظام العالمي، بما يضمن عدم انفراد قطب بعينه بالهيمنة. وتضمن هذه الاتفاقية عدة بنود هامة، منها:
– معارضة البرنامج الصاروخي الأمريكي.
– معارضة التوسع العسكري الأمريكي والغربي شرقا.
– دعم التعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين.
– دعم روسيا للصين، والاعتراف بحقها في استعادة تايوان، كجزء من أرض الصين. بل أن روسيا تعهدت بدعم سياسة الصين تجاه تايوان، وأكدت حق الصين في استرداد هذه الجزيرة للسيادة الصينية، باعتبار أن حكومة بيكين هي الحكومة الشرعية التي تمثل كامل الصين. وفي مقابل ذلك، تعهدت الصين بدعم وحدة وسيادة الأراضي الروسية، بما في ذلك جزيرة القرم.
****
وحتى الان، يبدو أن الطرفين يتجنبا اعلان انشاء حلف عسكري، خشية استفزاز أمريكا والغرب، والحيلولة دون قيام الغرب بإذكاء نيران العداء بين روسيا والصين، كما يحاول أن يفعل دائما، وعند توفر الفرص لعمل ذلك. لهذا، أكد الطرفان التعهد بعدم الاعتداء، وأيضا: ” في حالة وجود تهديد، أو عدوان، يقوم الطرفان بالاتصال ببعضهما، واجراء مشاورات، لإزالة هذه العدوان”.ولكن تطور الاحداث السياسية الاخيرة والتوافق الأيديولوجي الروسي- الصيني الحالي، يميل لتغيير هذا التوجه، ويمهد لأنشاء تحالف عسكري مضاد لحلف “ناتو”، وذراعه بمنطقة المحيط الهادي (حلف أوكوس). وينم البيان المشترك، الصادر عن اخر قمة روسية – صينية (قمة فبراير 2022م) عن احتمال قيام تحالف أقوى، يضم البلدين وحلفائهما. اذ جاء في ذلك البيان اعلانا مشتركا عن دخول العلاقات الدولية عهدا جديدا … يستلزم تضامنا أوثق بينهما.
**********************************************
العلاقات الروسية – الصينية: تحالف استراتيجي محتمل …؟!
