هناك الان ثلاثة قوى عظمى (أقطاب): أمريكا، الصين، روسيا. ومعروف، ان العلاقات فيما بين الأقطاب كثيرا ما تحدد وضع السلام، أو الحروب، في العالم. ومعروف، أن العلاقات الدولية، بين أي طرفين دوليين، تتأرجح دائما وأبدا بين ظاهرتين متناقضتين، هما: التعاون و/ أو الصراع. التعاون يحصل على حساب الصراع، والصراع يحصل عل حساب التعاون. والتحليل السريع لطابع العلاقات الراهنة فيما بين هؤلاء الأقطاب، يكشف ان الصراع يسود العلاقات الامريكية – الروسية، وكذلك العلاقات الامريكية – الصينية. أما العلاقات الصينية – الروسية، فيسود فيها التعاون على الصراع. وهذا ما يجعل بعض المراقبين يتنبؤون بقرب قيام تحالف صيني- روسي، ضد عدو عتيد مشترك، هو أمريكا/ ناتو. وهذا ما يمكن استنتاجه، بعد القمة الروسية -الصينية، المنعقدة يوم4/2/2022م، في بيكين. وكل ذلك سببه التطلع الأمريكي المتواصل للهيمنة العالمية، ولو على مسافة الاف الاميال من موطنها، كما هو الحال في حالتي أوكرانيا وتايوان، اللتان أصبحتا “أخطر” بؤرتين للصراع العالمي في الوقت الحالي.
****
بعد انهيار المعسكر الشرقي، وزوال الاتحاد السوفييتي عام 1991م، توقع الكثير من المراقبين والخبراء المتخصصين، أن يصفى حلف ناتو، وينتهي، بسبب سقوط الاتحاد السوفييتي وحلفائه، وهو العدو الاكبر لحلف ناتو، والسبب المباشر لقيامه وتأسيسه. وكانت المفاجأة الكبرى … ان استمر حلف ناتو، بل وتصاعدت قوته، وتمدد شرقــــا، ليضم في عضويته دولا كانت بالأمس في صف العدو اللدود، رغم تعهده بعدم التوسع شرقا،” ولا بوصة واحدة”. وأكثر القلقين والرافضين لهذه التطورات، هو الاتحاد الروسي، وريث الاتحاد السوفييتي السابق. فلقد توسع حلف ناتو تجاهه… حتى أصبح طول الحدود المتاخمة بين دوله وروسيا 1600 كيلو متر، بعد أن كانت حوالي 700 كيلو متر. ومازال الناتو يحاول جاهدا ضم أوكرانيا لعضويته، وهي الدولة الأكثر التصاقا بروسيا. وعندما نتساءل: لماذا استمر حلف ناتو، على مدار السبعين سنة الماضية، بل وقوى عن ذي قبل، خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة، رغم زوال المسبب الأساسي لقيامه؟! نجيب بأن هناك عدة أسباب لهذا التطور، أهمها الاسباب الاربعة التالية:
(1) – حرص الولايات المتحدة على بقائه ودعمه، ورغبتها في استخدامه كذراع عالمي لمد الهيمنة، وبسط النفوذ، ودعم كونها الدولة العظمى الاولى، وقيادتها لاهم الأحلاف في العالم.
(2) – عداء الغرب العقائدي والحضاري التقليدي التاريخي المعلن نحو روسيا، وخشيته الدائمة من اكتساح أوروبا من قبل الروس.
(3) – عداء الغرب العقائدي والحضاري التاريخي تجاه الصين، ودول الشرق بعامة.
(4) – محاربة ما يسمى بـ “التطرف الإسلامي” الذي وضعه الغرب في قائمة الاعداء … وأعتبره العدو البديل للاتحاد السوفييتي، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بين الدولتين العظميين سابقا. ويندرج ضمن هذا البند ما يسميه الغرب المتنفذ بـ “مكافحة الارهاب”، والذي كثيرا ما يعنى: الحرب، عبر فزاعة الارهاب المفتعلة، كمبرر للحرب والغزو، من أجل الهيمنة، واستغلال البلاد الاضعف.
****
ان حرص الولايات المتحدة على استدامة نفوذها، كدولة عظمى أولى، أمر مفهوم، وعملها على بقاء حلف “ناتو “، يجب أن يفهم في هذا الإطار أيضا. ويمكن، إذا، اعتبار أن اصرار أمريكا على بقاء وتقوية هذا الحلف ناجم أصلا من حرصها على دعم نفوذها هي، وهيمنتها الكونية الخاصة. ومع ذلك، يجب عدم الاستهانة بمنافسة وعداء وخطورة الخصوم التقليديين لأميركا والغرب، وخاصة الصين وروسيا الان.
ومعروف، أن روسيا، رغم كونها – بالدرجة الاولى – دولة اوروبية (أوراسيوية) كبرى، الا أن هناك عداء أوروبي تاريخي تقليدي لها. فعلى مدار التاريخ الحديث والمعاصر كانت هناك صراعات وحروب شعواء بين روسيا والدول الاوروبية الكبرى. وكان هناك اجتياح عسكري روسي لكثير من بلدان أوروبا المجاورة لروسيا. كما أن كون غالبية الروس تعتنق المذهب المسيحي الأرثوذكسي جعل لروسيا تقاليد وحضارة مختلفة عن غالبية دول أوروبا وغالبيتها البروتستانتية. وساهم قيام “الشيوعية” في روسيا، في الفترة 1917 – 1991م، وهيمنتها على أوروبا الشرقية، في جعل روسيا في عداء مع “الديمقراطيات” الغربية، ورثته روسيا، رغم تخليها عن التوجه الشيوعي الماركسي. ولكن أزمة أوكرانيا الحالية ناجمة عن تهديد غربي واضح، يعطى روسيا حق الدفاع عن نفسها، وحدودها.
وبالنسبة للصين، فان العداء الغربي لها أكبر. ويتلازم مع هذا العداء خوف غربي من تنامي قوة ونفوذ الصين، بما “يهدد المصالح الغربية والأمريكية في قارة اسيا، والعالم”- كما يدعى بعض الاستراتيجيين الأمريكيين. لذا، يعتبر الغرب المتنفذ، بقيادة أمريكا، الخصم الأكبر، والعدو المشترك الاخطر لكل من روسيا والصين. ومواجهة هذا “الخطر المشترك” تعتبر الان أكبر دوافع توثيق العلاقات الروسية – الصينية، الى درجة، قد تصل الى التحالف، أو حتى انشاء حلف (عسكري) بقيادة روسيا والصين، وعضوية دول أخرى موالية لهما، يواجهون به حلف ناتو، أو يضغطون بحلفهم لتصفية حلف ناتو، خاصة بعد أن أصبح الناتو يقوى، ويتمدد مهددا.
****
ان البيان الختامي المشترك الذي صدر بعد القمة الروسية – الصينية التي عقدت يوم 4 فبراير 2022م، يحتوي على الكثير مما يجب توقعه، بشأن العلاقات الروسية – الصينية القادمة، والتي سيتضمنها النظام العالمي (المتعدد الأقطاب) القادم، أو الذي -على الاصح- قام مؤخرا. ان ذلك البيان يحمل عدة رسائل هامة، موجهة من القطبين الصيني والروسي، الى الغرب المتنفذ، والى كل العالم. ومعظم هذه الرسائل تستحق الوقوف عندها، لاستيعاب مضامينها، وتحليل ما يترتب عليها. وقد نعمل ذلك في مقال قادم.
******************************************
