الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

العادة والتعود…

 

 إن كلمة عادة هو مصطلح يطلق على أمر تم التعود عليه وقد يكون الأمر قريب من النفس اي محبب أو قد يكون أمر غير محبذ اي أمر سيء…

كما نعلم أن البشر من خلقتهم و فطرتهم مخلوقات متكيفة على ما يتم اختبارها أو إجبارها أو وضعها فيه..

حين أتأمل كيف لطلاب الطب أن يشرّحوا جثة ويستمتعوا بما يفعلون، أتذكر حين كنت طالبة بالمستوى الأول بالجامعة دفعني فضولي أنا وصديقتي المقربة للذهاب إلى كلية الطب وسألنا عن المشرحة طبعا توقعوا أننا طالبات طب فدلونا عليها لا زال فضولنا القاتل خلفنا ويدفعنا بكل قوته حاولنا فتح الباب ففتح معنا، فدخلنا ووجدنا جثتين على سريرين، طبعا لا أخفيكم أنا ملامح وجهي غاب عنها اي تعبير سوى الاندهاش والخوف توقعت أن الدماء تجمدت في عروقي من شدة الخوف والذعر الذي انتابني وصديقتي مثلي، تسمرت أقدامنا لا نحن استطعنا أن نقترب ولا نحن استطعنا الخروج والركض، حتى سمعنا ذلك الصوت من طبيبة عربية كانت مسؤولة عن المشرحة أو كانت لديها محاضرة قالت ( أنتو بتعملوا إيه هنا ومين الا سمحلكو تدخلوا) عندها فقط استوعبنا وكأن صوتها كان جرس الإنذار الذي نبهنا فايقظ خلايا المخ المفصولة في ذلك اليوم بالخروج ..

خرجنا ونحن لسنا تلك الطالبتين اللاتين دخلتا، فلم أستطع النوم لمدة ٣ أيام سوى سويعات بسيطة وانا أتخيل شكل المشرط داخل تلك الجثث وكيف هي أعينهم و ملامحهم، طبعا الأمر قد يكون مضحكا الآن كذكرى ولكن في وقته كان مؤلما جدا، عموما ذكرته الآن حين تأملت كيف لطلاب الطب أن يعبرون عن فرحتهم بدخول المشرحة رأيتُ ذلك في وجه ابنتي، طبعا لم أخبرها عن مغامرات والدتها وذعرها والا نعتتني( مسوية نفسك قوية الآن و أنت خوافة) حين أتأمل صورهم عند الجثث وهم مبتسمون بيدهم المشارط يرتدون القفازات ويحيطهم الشغف وحب العلم، أخبر نفسي انه التعود والمتعة وأحمد الله أنك يا فاتن لم تقرري دخول كلية الطب حين كنتِ طالبة والا لكنت تعاني الآن  من كل أنواع الفوبيا ونوبات الهلع. 

تأملتُ عدة أحداث وقصص أثناء كتابتي لمسودة هذه المقالة، 

تذكرتُ تلك السيدة الكبيرة بالعمر وهي تحكي عن زوجها المتوفي كيف كان يعاملها بقسوة شديدة وعنف شديد حتى انها اذا أخطأت يقوم بضربها إلى أن يُسمع صوت أنين لها اذا نامت، تقول كانت تتعرض لذلك منذ أن تزوجت وهي بعمر ١٤ عام.. تقول جسدي تحمل وتعود أو أجبرته على التعود لأنه في تلك الحقبة كان من العيب الخروج من المنزل وطلب الطلاق وعند الشكوى على الأهل  الحل هو هذا زوجك واتعودي على طبعه، تقول وفعلا تعودت وانجبتُ البنين والبنات وكنت انضرب مثلهم إلى أن أصبحت بعمر ٥٠ حين كبر أبنائي بدأتُ بالشعور بعنف ما فعله زوجي ووحشية الضرب وقسوته التي لا توجد بمخلوق حتى الحيوانات ألطف ببعضها من هذا الرجل، فبدأت تدخل بنوبات حزن وبكاء وألم والذكريات تطاردها من مكان لأخر حتى باتت على الأدوية النفسية لمجرد تثبيط تلك الذكريات و الألم والحزن وجرح النفس الغائر.

سؤالي هنا، ما هو الشيء الذي نستطيع التعود عليه وتقبله ولا يؤثر علينا وما هو الشيء الذي وان تعايشنا معه لا نتقبله ولا نتعود عليه ؟

كنت أقرأ في كتاب حيونة إنسان للكاتب  (ممدوح عدوان) وذكر فيه الكثير من أنواع التعود كيف للإنسان الاشمئزاز من رائحة نتنة أو صوت ضجيج قوي أو مكان عمل بعيد وغير مناسب أو العيش تحت ظروف تجبر الإنسان على أكل مختلف ، ونجد أنفسنا بعد فترة تعودنا عليها ولا تسبب لنا مشكلة واستخلصت بيني وبين نفسي ذلك المفهوم وهو أننا نستطيع التعود والتأقلم والتكيف مع كل أمر سواء يضايق حواسنا كالسمع والبصر والشم والفكر في النهاية نتعود عليه، ولكن يبقى ما يخص المشاعر والعواطف وكرامة الإنسان غير قادرون على التعود على الإساءة والأذية مهما طال الزمن، فالمكوث تحت وطأة ذلك الشخص المؤذي يصيب الضحايا مع مرور الزمن اما بالأمراض العضوية، أو الأمراض النفسية، وفي كل الحالتين الضرر كبير لأنك إن قمت بأخذ العقاقير المسكنة كيف لك أن تسكن ذكرياتك المؤلمة و تخيط جروحك النازفه، وتطبطب على مشاعرك الممزقة، لا تصبر على الأذى و أنت تتوقع التعود والتأقلم أنت إنسان ومن حقك العيش بكرامة و إنسانية واهتمام..

أ.فاتن صباغ

أ.فاتن صباغ

80 مقالة
منضم منذ 22 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *