سبحان من لا يبقى سواه. سبحان الخالق البارئ المقدر لأحوال وارزاق وأعمار عباده. سبحان من جعل بقاء كل خلقه في هذه الحياة مؤقتا. فأي شخص لابد يوما على الاكتاف محمول، وبعمله الى مثواه الأخير، تحت الأرض. اللهم، لا اعتراض على ما شئت وقدرت… ولكن رحيل أي عزيز يؤلم محبيه، ويحزنهم، ويدفعهم دفعا لتذكر النهاية الحتمية لكل مخلوق، وذرف دموع الأسى والندم والفقد. نعم، كل نفس ذائقة الموت. فكل انسان يحمل في ثناياه بذرة فنائه التي تؤدى به، ذات يوم، الى القبر. ورجيل أي انسان عن هذه الدنيا، لابد أن يحزن أهله، ومعارفه ومحبيه. وبقدر ما يكون الراحل إيجابيا ومنجزا، ومفيدا، ومحبوبا، بقدر ما يكون الحزن عليه كبيرا. ولا شك أن الناس يتفاوتون في التحلي بهذه الصفات.
وهناك أناس كانوا أكثر تأثيرا، وايجابا وفائدة من غيرهم، بالنسبة لأهليهم، وأصدقائهم، ومعارفهم. إضافة الى وطنهم ومجتمعهم. ولو كانت هناك، في كل مجتمع، قائمة بأسماء هؤلاء الافاضل الراحلين، لوجدنا قلة في كل مجتمع تحظى بأدراج اسمها في قائمة الشرف هذه. وفي مجتمعنا الكثير من الراحلين، على مر الأيام، الذين يستحقون ان تكتب أسمائهم، وبماء الذهب، في هذه القائمة. ومن أولئك الراحل الدكتور سليمان إبراهيم توفيق مكي، رحمه الله، وطيب ثراه.
**
رغم تسليمنا بالقضاء والقدر، الا أن الحزن خيم علينا عنوة من صدمة سماع وفاة هذا الرجل النبيل مؤخرا، الذي خدم بلاده في عدة مواقع، اخرها، قبل تقاعده، أستاذا مرموقا في جامعة الملك عبد العزيز، التي أبتعثته عام 1976م للحصول على درجة الدكتوراه، لقسم العلوم السياسية، الذي كان أحد مؤسسيه، وأحد أبرز أساتذته، وباحثيه. أجاد سليمان توفيق في كل ما قام به من أعمال. اذ امتاز بأخلاقه الرفيعة، وحسن تعامله، ومحبته لكل من حوله. إضافة الى ما حظي به من ثقافة واسعة، وفكر نير، ليس في مجال تخصصه العلمي، وحسب، بل في كل المجالات، الامر الذي وضعه في خانة “المفكر” السياسي المبدع. وقد كتب كثيرا. ولكن معظم كتاباته لم تنشر.
كان، رحمه الله، من أكثر الأساتذة الجامعيين المحبوبين من قبل طلابهم، وزملائهم، وكل من عرفه. وشخصيا، فقدت برحيله، أحد أعز وأقرب وأحب أصدقائي. وانسانا من خيرة من عرفت. إضافة الى أنى تعلمت منه الكثير، سواء في مجال تخصصنا، أو غيره. ولعل أبرز ما تعلمته منه هو فن “التعايش” الذي كان من أبطاله، وأساتذته. كنت أحرص على مجالسته، لانهل من علمه وثقافته، و”أصحح” المعوج من افكاري، عبر اثارة النقاش معه، في نقاط لنا فيها اهتمام مشترك. وكنت أخرج من كل نقاش معه بجديد مفيد. رحم الله سليمان إبراهيم توفيق، ورحمنا عندما نصير الى ما صار اليه. وستظل ذكراه حية في أذهاننا، بما تركه لنا من علم وفكر، وسيرة عطرة. انا لله وانا اليه راجعون.
*******************
رحيل الدكتور سليمان إبراهيم توفيق … ؟!
