السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

الضجيج..

 

لا زالت تلك الأيام الهادئة والباردة كقطعة ثلج تلوح حولي و لازال ذلك السكون يلف ذاكرتي ولازالت تلك الأحداث تدور في مخيلتي، انه ضجيج الماضي ومعاناة الحاضر وتوجس المستقبل…

ذاكرتنا تبدأ في بناء نفسها بنفسها وتتشكل حسب المواقف والأحداث وتنشئ و تتقولب مع التربية والتوجيهات والعادات والتقاليد،

نأتي إلى هذه الحياة ونحن أبرياء أنقياء مولودين على الفطرة كالصفحة البيضاء..

طيب ما الذي يحدث لنا؟؟

الذي يحدث لنا هو حشو تلك الذاكرة بجميع ما يحدث حولنا وتخزينه في ملفات ينشئها عقلنا البشري، فمواقف الحب والرحمة والحنان والمودة والعطف والشفقة تذهب لملف العاطفة.. ومواقف التسامح والعفو والعطاء وكرم الأخلاق والشهامة وحسن الظن و إعطاء الفرص والإخلاص والأمانة والبشاشة توضع في ملف التعامل بالخلق الحسن.. اما مواقف الخداع والغش و الاحتيال والتعاسة و النصب والخذلان و الجرائم والتخلي و الاستفزاز والتعالي والإساءة والأذية والغبن فتصنف في ملف الأذى وتوضع عليه إضاءة حمراء وجرس رنان لتصنيفه خطرا.. وغيرها الكثير من التصنيفات لملفات نحن من يحدد نوعها وسلوكها تبعاً لمواقف وأحداث حصلت لنا..

فعندما يستفزك شخص يبدأ في استدراجك بالكلمات والسخرية عليك واذيتك النفسية أو الجسدية، بعد أن ينتهي الموقف سرعان ما يحفظ في ذلك الملف والمؤسف أننا وفي كل مرة يحصل لنا موقف مشابه  ننثر ونبعثر كل ما كان محفوظ ومخزن به و الخاص بذلك الملف، فنحن نختلف عن الكمبيوتر نحن بشر ونملك أحاسيس ومشاعر ، ليست بضغطة على ذاكرتنا أو عقلنا أو قلبنا نستطيع أن نمسح ونزيل تلك الملفات ونلقي بها في سلة المهملات كما يحدث في اجهزتنا، ليتنا كنا كذلك، ليتنا نمحي الأذى ونزيل الإساءة ونلقي بالجرح والألم في سلة المهملات، ليتنا نستطيع أن نفصل بين ما يدور في عقولنا من تفكير وقلق وتوتر وذاكرة مشبعة بالهموم والمشاكل و والحرمان وبين ما يدور في مشاعرنا من توجس وريبة و إحساس بالظلم والتخلي وقلب مكسور وعواطف غير مشبعة، ولكن للأسف هي مرتبطة بنا ارتباط كلي تجري في دمائنا وتغوص في أعماقنا تستيقظ معنا وتنام معنا وتحوم حولنا حتى ونحن في مشاغل الحياة من دوامات ومسؤوليات وواجبات، فلا نكاد نركد قليلاً بحثاً عن الراحة أو الاستراحة الا ونسمع ذلك الصوت القادم من دواخلنا يذكرنا بالهموم و إساءة أقرب الناس لنا ليسحبنا نحو الدوامة التي أدخلنا أنفسنا بها فهي لا تنتهي، ليس لها نقطة بداية ولا نقطة نهاية، فهي كما الكهف المظلم الذي إن دخلته فاحتمال خروجك منه أشبه بالمستحيل، دوامة التفكير المستمر والقلق المخيف والتوتر القاتل..

إن الضجيج الذي يحدث لنا ويعيق سعادتنا وراحتنا واستمتاعنا بالحياة ورضانا عن حياتنا هو تصارع وتضارب كبير بين المشاعر والافكار، بين الذاكرة والأحاسيس، بين الماضي والحاضر، بين الأحلام والمستقبل، بين نفسك القديمة والجديدة، بين من يحبك ومن يكرهك، بين من يعطيك وقته و إحسانه وتضحياته واهتمامه وبين من يستكثر نفسه ووقته وعطاءه ويستخف بمشاعرك، بين قدرتنا على التجاوز والتغاضي وبين تمسكنا ببعض الأمور و الاحتفاظ بها واسترجاعها  لتؤلمنا بين الوقت والآخر .

ذلك الضجيج يفسد علينا كل شيء ويجعلنا نسير في تلك الحلقة التي لا حدود لقطرها ويتفطر قلبنا على مشاعرنا وأحاسيسنا حتى نصبح بلا مشاعر و بعد فترة أجساد بلا قلوب، بكاء بلا دموع، قتيل بلا جثة، جريح بلا دماء، مكسور بلا صوت، مسجون بلا قيود، لنعيش بذلك الضجيج الذي يجعلنا حبيسين لهمومنا ومشاكلنا ومواقف الإساءة التي تعرضنا لها، سنخرج بعدها من قسوة الأيام ولكن بصورة وملامح أخرى يتجمد الدم في عروقنا. نفقد ملامح الحياة، ونستقي من الهموم ما تفيض به انفسنا، حتى تستقر في دواخلنا، لنتحول بعدها إلى أشخاص قاسين ومتوجسين نشعر بالخداع من كل شيء ومن كل شخص، نفقد الثقة في من حولنا لأنهم أضعفوا ثقتنا في أنفسنا.

يهدأ ذلك الضجيج حين يصبح صوت الذات أقوى، صوت حب النفس أكبر ، صوت القسوة ونفي القلب والمشاعر أقوى..

أ.فاتن صباغ

أ.فاتن صباغ

80 مقالة
منضم منذ 22 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *