السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

عن أهمية أفريقيا لأمننا القومي …؟!

ما زالت أكثر مناطق العالم احتقانا واضطرابا، في عالمنا الراهن، هي – مع الأسف– المنطقة العربية، التي تسمى عالميا بـ “الشرق الأوسط “؟! وهذا وضع مزمن، يعرفه القاصي والداني. فالمنطقة تغلي ببعض أبرز مشاكل العالم وأسخنها: تمدد الارهاب، السياسات التوسعية العدوانية لبعض الدول الاقليمية، وغيرها، قضية فلسطين، مخاطر الانتشار النووي، الاوضاع السياسية المضطربة في كل من: سوريا، اليمن، ليبيا، القرن الأفريقي، وغيرها. كما يستأثر العالمان العربي والإسلامي بكثر من القضايا والهموم المتعلقة بالتنمية، وثالوث “الفقر – الجهل – المرض”, وغيره. وهو أمر يستوجب الدراسة الموضوعية، والمسارعة لإيجاد “حلول” لهذه الاشكاليات، ما أمــكن.

      هذا “الشرق الأوسط”, متوتر دائما، ومشتعل غالبا. ولعل أهم مؤشرات توتره المزمن هو: عدم توفر “الاستقرار السياسي” فيه بدرجة مناسبة، أو: تدنى درجة هذا الاستقرار فيه إلى نقطة الانفجار، أو ما دونها بقليل، في اغلب أرجاء المنطقة. كما أن “الاستقرار الظاهر” في بعض أنحاء هذا الجزء المضطرب، كثيرا ما يكون عبارة عن “عدم استقرار مبطن”…أي عبارة عن: أوضاع هشة… قابلة للانفجار، في أي لحظة…. لتقضى على الأخضر واليابس، في أيام. وسبق أن تطرقنا كثيرا لاهم أسباب هذا الاضطراب.

 

       وتظل المملكة الان، رغم كل الظروف المقلقة، هي – ولله الحمد – الأكثر هدوء واستقرارا. ولكنها تكاد تقف في قلب العاصفة الهوجاء. فهي محاطة بـ “طوق” خانق من عدم الاستقرار…يكاد يتحول إلى دائرة كبرى، تحيط بها من كل جانب. ويمتد هذا الطوق من شمال وشرق أفريقيا، ليتجه شمالا…ويتضمن: فلسطين، وبقية “الهلال الخصيب”, أو الذي كان “خصيبا”؟! ويتوغل شرقا حتى مشارف الهند.

  إن هذا الموقع، والوضع، يحتم: الحذر الدائم، والاهتمام بما يجرى بهذه الساحة، والحرص على نزع فتائل التوتر فيها…. والسعي الدؤوب لتحويلها إلى طوق من الأمن والاستقرار، ما أمكن. والحذر والقلق وحدهما لا يكفيان … بل لابد من اللجوء إلى كل الوسائل العملية الممكنة والملائمة، ومنها: تطوير وتقوية الذات، لاكتساب المناعة الانجع اللازمة، والتعاون مع المعنيين بهذا الطوق وفيه … لإطفاء حرائقه أولا بأول، والحيلولة دون نشوب حرائق جديدة، وامتداد ألسنة اللهب للجوار.

                                       ****

     لا يمكن لبلادنا (وجيرانها) أن تؤمن مصالحها الحيوية، وتضمن بقائها وأمنها واستقرارها القومي، بشكل سليم، في حدود مجالها الوطني الضيق فقط. بل لابد من اعتبار كامل المنطقة المحيطة، مجالا لًصيقا متكاملا للأمن الوطني. صحيح، ان الاهتمام بأمن واستقرار ومستقبل الوطن نفسه يجب أن يأتي أولا. والاستقرار القائم على أسس صلبة هو بمثابة الحصانة ضد الاضطرابات. ومع ذلك، يجب الاهتمام بالجوار المباشر، وشبه المباشر، ورصد ما يجري فيه، واتخاذ الاجراءات الذكية الكفيلة بالوقاية من شروره. ومن حسن الطالع أن معظم هذا الجوار عربي، يسهل التعامل معه.

 ومن ضمن الاجراءات التي يجب أن تتخذ في هذا الشأن: بناء سياسات شراكات أمنية- سياسية راسخة مع الدول المجاورة، واقامة تحالفات استراتيجية اقليمية موسعة، تشمل كامل المنطقة، وخاصة المناطق المحيطة بإقليم المملكة، وبصفة أخص كل من: مناطق الهلال الخصيب، الخليج العربي، وكامل منطقة شمال وشرق أفريقيا.

                                         ****

  وافريقيا الملاصقة هي ثاني أكبر قارات العالم، من حيث المساحة وعدد السكان، بعد قارة اسيا. اذ تبلغ مساحتها 30,2 مليون كيلومتر مربع. وتشغل 20,4% من مساحة اليابسة، وتغطي حوالي 6% من اجمالي مساحة الكرة الارضية. ويبلغ عدد سكانها 1,2 بليون نسمة (2016م)، تبلغ نسبتهم الى سكان العالم 14,8%. وتضم هذه القارة الان 54 دولة مستقلة. وبهذه القارة موارد طبيعية هائلة، يسيل لها لعاب الطامعين، وخاصة القوى العظمى والكبرى. لهذا، أصبحت ساحة للتنافس الدولي، الاقليمي والعالمي المكثف. وتحدنا هذه القارة من جهة الغرب، مما يجعل أفريقيا عمقا استراتيجيا، بهذه الجهة. وأكثر ما يجب أن يهم أمن المملكة هو شمال وشرق هذه القارة، رغم أن معظم القارة مهمة.  

                               ****    

   ولقد أدركت حكومتنا هذه الحقيقة الجيوسياسية، وأهمية التحرك الاستراتيجي المدروس والمتواصل (المستدام) لتحقيق الحفاظ على أمن المملكة، حتى خارج مجالها الوطني الضيق، وخاصة في المناطق الاربع المذكورة، ومنها الجزء الافريقي الملاصق للمملكة بصفة أخص. وانطلاقا من هذا الادراك الاستراتيجي، عملت المملكة على دعم علاقاتها بدول الجوار الافريقية. وأنشأت وكالة كبيرة بوزارة الخارجية للشؤن الافريقية، يرأسها وزير. وهو وزير دولة للشؤن الافريقية، معالي الاستاذ أحمد قطان. وبادرت بإقامة ائتلاف دول البحر الاحمر، الذي يشمل الدول الثمان المشاطئة لهذا البحر، وهي: المملكة، اليمن، الاردن، مصر، السودان، اريتريا، جيبوتي، وأيضا اثيوبيا (رغم انها الان دولة داخلية). اضافة الى عزم السعودية الانضمام الى “الاتحاد الافريقي”، بصفة مراقب. فوجودها في هذا المحفل الدولي يؤكد اهتمامها، ويقوي من موقفها نحو المتربصين.

                                      ****

  أفريقيا يجب أن تهم بلادنا، استراتيجيا، باعتبار هذه القارة ملاصقة، وبها ثروات بكر واعدة، تجعل منها بيئة خصبة للاستثمار، ومطمح لنفوذ القوى الكبرى. وذلك يتطلب تطوير ودعم السياسة السعودية تجاهها، والعمل الدؤوب لتوثيق العلاقات السعودية مع الدول الافريقية، عبر: كل الوسائل السياسية المعتمدة، وفى مقدمتها: الدبلوماسية النشطة بأنواعها، والاعانات الاقتصادية، واقامة المراكز الثقافية في المدن الأفريقية الكبرى، وما الى ذلك. اضافة الى دعم ما تم البدء في اقامته، من اجراءات، تسهم في تحقيق هذا الهدف.  

**********************************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *