السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

الصمت

الصمت هو رفض التواصل والحديث والمناقشة . لماذا يصمت الأغلبية ؟ وما هي أنواع الصمت ؟ 

الصمت عند المصيبة أو الصدمة, الكثير من الأشخاص يختار الصمت وعدم التواصل والتعبير عن المشاعر عند تعرضه لصدمة مثل فقدان شخص عزيز بموت أو اختفاء أو هروب وتخلي أو خداع وخذلان أو انفصال وطلاق, فيعتزل عن من حوله ليخلو بنفسه في حيرة وكآبة وحزن وقلق وقد تستمر تلك الحالة لعدة أسابيع أو شهور أو حتى سنوات ما لم يخرج الشخص نفسه بمحاولات التغيير أو طلب المساعدة ممن حوله أو مختص نفسي.

الصمت عند المرض والألم , ذلك النوع من الصمت يصيب الشخص حين يمرض ويتألم ويعاني فيختار عدم الحديث لأن الكلام يرهقه ويتعبه والسؤال يحرجه ويجرحه ولا يريد اي مشاعر شفقة أو حزن, أو اي محاولات انتقاد وتهكم, هذا الصمت مدته تعتمد على زوال المؤثر أو القدرة على التعايش والتكيف  مع المسبب كونه مرض أو مشكلة.

الصمت الاختياري , هو الصمت الذي يختاره الشخص عند الشعور باليأس والإحباط من كثرة المحاولات لتعديل ذاته وشخصيته أو تعديل سلوكيات وتصرفات وردات أفعال  أشخاص قريبين من حوله قد سببوا له الأذى أو ألحقوا به الضرر النفسي أو الجسدي أو الاجتماعي أ و المالي, ذلك الصمت مدته تعتمد على الشخص نفسه كيف يستطيع أن يساعد نفسه ويقنع نفسه بعد الاستسلام لليأس وان الحياة بها أمل وأن النجاح لا يأتي الا بعد فشل. 

الصمت العقابي, هو الصمت الذي يتخذه بعض الأشخاص للتأثير في الآخرين إما للضغط والإخضاع أو للتأثير وسرعة الاستجابة أو موافقة الرأي و تنفيذ الأوامر  بالإكراه, فنجد هنا بعض الأشخاص يستخدمه عندما يفكر أن الصمت وسيلة عقاب لمن لم يرضخ ويستسلم حتى لا يعاود أو يفكر في الوقوف في الجهة المعاكسة لذلك الشخص, فهناك الكثير يستخدم ذلك الصمت مع أكثر الناس المقربين مثل الزوجة والأبناء والأباء والإخوة ليخضعهم لفكره وأراءه . بعض تلك الشخصيات ممن تستخدم الصمت العقابي تكون لديها اضطرابات شخصية ( اضطراب الشخصية النرجسية , السايكوباثية , الحدية ), و للأسف أن ذلك الصمت قد يطول حتى يخضع الطرف الأخر ويستسلم وينفذ جميع الطلبات.

الصمت الانفعالي, هو صمت يستخدمه الشخص كوسيلة دفاع عن ما يشعر به من ضغوطات محاولا إخفاء انفعالاته وهيجانه و اعتراضه ضد أي فكرة أو موقف وحدث لا يناسبه , حتى يستطيع السيطرة على نفسه وإنفعالاته لعدم الظهور أمام الآخرين بمظهر الضعف أو عدم الثقة , وغالبا ذلك الصمت أيامه معدودة حتى يهدأ ذلك الشخص ويستطيع التفكير بحكمة ووعي وادراك ومن ثم يأخذ القرار المناسب. 

يعاني الكثير من المجتمع من الاستسلام للصمت بين أفراده, فيختار الكثير الانسحاب والتوقف عن الحديث وعدم التواصل تعبيرا للأخرين عن رفض أمر ما أو عدة أمور مشتركة  في ما بينهم سواء أمور حياتية أو عملية, متجاهلين تماما أن الصمت هو سبب رئيسي للمشاكل النفسية وتفكك العلاقات وتدميرها وتدهور المشاعر وتجنب التواصل و الانعزال . يعود ذلك لأن ثقافة بعض الأشخاص إما الحديث بالهجوم والاندفاع والتهكم والانتقاد و الإخضاع , وإما الصمت الذي يدمر العلاقات وينهي الود ويسلب السعادة ويستبدلها بالتجاهل والتراكمات وخيبات الأمل وردم المشاعر.

حين تأملت في المجتمع البسيط حولنا وحللت المسببات , وجدت أن ثقافة الاعتذار والأسف والمناقشة ولغة الحوار مفقودة , لماذا ؟ مع أنها أسباب رئيسية للصمت المفتعل, لأن الأغلبية لا تعترف بخطئها وتريد الانتصار في كل المواقف متناسيا ومتجاهلا كل ما يفعله الآخرون من حوله , فهناك قلوب معطاءة تضحي بسعادتها وعمرها لترسم البسمة على أوجه من تحب  حولها , وتحاول جاهدة لفتح باب الأمل دائما بالحديث وطلب النقاش والتسامح والعفو وفتح صفحات جديدة دائما لا تستسلم سريعا, ولكن تلك القلوب إن جرحت أو خدعت أو خذلت تمر بمراحل سريعة من اليأس , الصمت , البعد , توقف العطاء , مراجعة الذكريات , إنهاء العلاقات. فبعدها خسارة كبيرة على الطرف الأخر لأنه لن يجد البديل لتلك الشخصيات كثيرا.

لذلك لغة الحوار لابد وأن تكون عن وعي وادراك وحكمة في المناقشة وتداول الأمور و فهمها واستيعابها, نحن لا نريد أن يخسر طرف ويكسب طرف, مشاعرنا وأحاسيسنا وحياتنا ليست ساحة معركة ندخل كل يوم فيها حربا مع شخص مختلف , مرة بالمنزل ومرة بالعمل ومرة بالسوق , ولن تتوقف عند هذا الحد , ستستمر كذلك يتناسى فيها الشخص بناء ذاته وشخصيته بسلامة صدر وصدق مشاعر وحسن الظن, يهرب فيها الشخص من بناء العلاقات السليمة مع من حوله بالمحبة والود والمراعاة, ويستبدلها بالشك والريبة والقسوة والتجاهل والصمت المدمر,  العلاقات بين الأشخاص رباط وثيق لابد فيه من تسامح وتغاضي وتواصل بالإحترام والإحسان والوعي والوصول للحلول المشتركة التي ترضي الجميع ..   

أ.فاتن صباغ

أ.فاتن صباغ

80 مقالة
منضم منذ 22 يناير 2021

رد واحد على “الصمت”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *