
عصف الأخبارية
دخلتْ عالم التصميم لا لترصّ الأثاث في زوايا الغرف، بل لتصنع للمساحات “ذاكرة وروحاً”. بعد 15 عاماً من الشغف في هذا المجال، ترفض المصممة سارة بشير استنساخ صفحات المجلات، وتؤمن بأن لغة جسد العميل ونبرة صوته هي المخطط الحقيقي لأي مشروع ناجح.
في هذا الحوار الاستثنائي والممتع، نغوص معها في سيكولوجية المكان، نكشف أغرب طلبات العملاء، ونقف على الخطايا التصميمية التي ترتكب باسم “الموضة”، ونستكشف كيف يمكن لغرفة نوم أن تصنع فارقاً نفسياً يمتد لعشرين عاماً.
صحيفة ( عصف الأخبارية) إلتقت بها وخرجت معها بهذه السطور ..،
•لو طلبنا منكِ وصف فلسفتكِ في التصميم بجملة واحدة تختزل رؤيتك، ماذا ستقولين؟
* أجابت: سأقول باختصار: “أصمم مساحات تشبه أرواح أصحابها، لا صفحات المجلات”.
•لكل مبدع لحظة تنوير؛ متى أدركتِ أن التصميم الداخلي ليس مجرد هواية طفولية بإعادة ترتيب غرفتك، بل هو طريقكِ المهني الحتمي؟
•أجابت: الشغف بدأ معي منذ الطفولة بالفعل، لكن اللحظة الحاسمة التي غيرت كل شيء كانت عندما لاحظت بالعين المجردة كيف يمكن لتعديل بسيط جداً في زاوية الإضاءة أو مكان قطعة أثاث، أن يقلب نفسية وسلوك الشخص داخل الغرفة بالكامل. هنا أدركت أنني أتعامل مع “سيكولوجية” وليس مجرد “ديكور”.
• هل صحيح أن لديكِ طقوساً غريبة قبل البدء بأي مشروع جديد؟
* أجابت مبتسمةً: لا أعلم إن كانت غريبة، لكنني أقف في المساحة الفارغة وهي صامتة تماماً لدقائق. أتأمل حركة الضوء الطبيعي وتسلله في الفراغ، وفي تلك الأثناء أستمع لقصة العميل بإنصات كامل، وكأنني أترك المكان يملي عليّ هويته المستقبليّة.
•ما الفرق جوهرياً بين “منزل جميل” و”منزل يشبه أصحابه”؟ وأيهما تبحث عنه سارة بشير؟
* أجابت: المنزل الجميل مريح للعين فقط، تراه في المجلات وتثني عليه لكنك قد لا تشعر فيه بالانتماء. أما المنزل الذي يشبه أصحابه فهو مريح للروح، دافئ، ويحتضنك فور دخولك. هذا الأخير هو هدفي وشغفي الدائم.
•هل تؤمنين أن للمساحات “ذاكرة”؟ وكيف تتدخلين مهنئاً في تصميم مكان قديم دون طمس ملامحه؟
•أجابت: نعم، أؤمن بذلك بشدة. عندما أتعامل مع مكان قديم، لا أهدم كل شيء. بل أبحث عن عناصر أصيلة؛ حجر قديم، أو تفصيل خشبي عتيق، ونحافظ عليه كشاهد تاريخي، لنصنع مزيجاً ساحراً يجمع عبق الماضي بروح العصر دون طمس الذاكرة.
•غير البصر، أي الحواس تقود خطوطكِ التصميمية؟ وكيف تقرئين شخصية العميل قبل البدء؟
* أجابت: حاسة الملمس (Textuality) هي البطل الخفي عندي. اختيار خامات الأقمشة، الأخشاب، والمعادن هو ما يمنح المكان بعداً ثالثاً ويحفز الشعور بالدفء. أما شخصية العميل، فأنا أقرأها من لغة جسده، الكلمات التي يكررها، نبرة صوته عند الحديث عن بيت أحلامه، وحتى من أسلوب ارتدائه لملابسه؛ كل هذه تفاصيل ترسم الهيكل النفسي للمساحة.
•بعد مسيرة تمتد لـ 15 عاماً، ما هو المشروع الذي ترك فيكِ أثراً لا يُمحى؟
*أجابت: تصميم مساحة علاجية لمركز تأهيل. لم يكن المشروع الأجمل بصرياً بمقاييس الفخامة، ولكنه كان الأكثر تأثيراً؛ لأنني رأيت رأي العين كيف ساهم التصميم الداخلي المريح سيكولوجياً في تسريع رحلة شفاء المرضى وتحسين نفسيتهم.
•ما الموقف الذي شعرتِ فيه أن مهنتكِ تلمس حياة الناس بشكل حقيقي؟
*أجابت: عميلة صممتُ لها جناح غرفة نوم، غمرتها السعادة لدرجة أنها راسلتني متأثرة وتقول: “لأول مرة منذ عشرين سنة أستيقظ في بيتي وأشعر أنني في فندق فاخر”. ما زالت تراسلني باستمرار، وهذا يوضح كيف يغير التصميم جودة الحياة اليومية.
•في المقابل، ما هو أصعب قرار اتخذتِه؟ وما المشروع الضخم الذي رفضتِه رغم إغرائه المالي؟
*أجابت: أصعب قرار كان الاعتذار عن إكمال مشروع في منتصفه، بسبب إصرار العميل على تعديلات إنشائية غير آمنة فنياً وهندسياً؛ فسلامة الناس تسبق أي جمال. أما المشروع الذي رفضته رغم ضخامته وإغرائه المالي، فقد كان مشروعاً تجارياً طلب فيه أصحابه “استنساخاً أعمى” لتصميم عالمي مشهور. رفضت فوراً لأنني لا أقبل أن أكون مجرد أداة نسخ كربونية.
•هل واجهتِ تحديات في مواقع التنفيذ بصفتكِ امرأة في مجال يُنظر إليه كبيئة قاسية أو تقنية؟
* أجابت:في البدايات نعم، خاصة في التعامل مع العمالة والمقاولين في المواقع. لكنني تجاوزت ذلك سريعاً بفرض الاحترافية، وإثبات المعرفة التقنية العميقة، والتحدث معهم بلغة الأرقام والمخططات الهندسية المدروسة التي لا تحتمل الجدال.
•كيف تصممين مساحة لشخص لم تقابليه قط، بناءً على وصف مكتوب فقط؟ وكيف تحلين معضلة اختلاف الأذواق في الأسرة الواحدة؟
*أجابت: بالنسبة للشخص الذي لم أقابله، أطلب منه ببساطة كتابة قائمة بـ 5 أشياء يكرهها، و5 أشياء تسعده في يومه، وهذا كفيل برسم الخريطة النفسية له. أما بالنسبة لاختلاف أذواق الأسرة، فأنا أمنح كل فرد منطقته الخاصة (غرفته) ليعبر فيها عن جنونه، وفي المساحات المشتركة أعتمد قاعدة “الحياد الذكي” بدمج عناصر أساسية بسيطة ترضي الجميع وتضمن الهوية البصرية للمكان.
•لنكن صريحين.. ما هي “الخطيئة التصميمية” الأكثر انتشاراً هذا الموسم وتتمنين زوالها؟
*أجابت: الإفراط الأعمى في استخدام الرخام البراق والبدائل البلاستيكية في كل مكان (Over-styling). هذا التكلف يحوّل المنزل إلى صالة عرض سيارات باردة بدلاً من مسكن دافئ ومريح.
•هل الملاحقة الدائمة للموضة و”الترند” تفسد هوية المكان؟
*أجابت:بكل تأكيد. “الترند” يموت سريعاً، أما الأصالة فخالدة. الملاحقة العمياء للموضة تجعل المنزل تنتهي صلاحيته الجمالية بعد سنتين فقط، وتجده بحاجة للتغيير الشامل مجدداً.
•فجّرتِ مفاجأة وقلتِ إن البيوت التقليدية القديمة كانت أذكى من بيوتنا الحديثة، فلماذا؟
*أجابت: نعم، كانت أذكى بمراحل بيئياً ومناخياً؛ فاعتمادهم على الفناء الداخلي والملاقف الهوائية جعل التصميم يرتكز على حلول الطبيعة المستدامة، لا على حلول التكييف الاصطناعي واستهلاك الطاقة كما نفعل اليوم. لذلك، أتمنى عودة “الفناء الداخلي والساحات السماوية المفتوحة” بقوة للبيوت المعاصرة لما تمنحه من خصوصية واتصال بالطبيعة.
•كيف تُسعّر سارة بشير مشاريعها؟ وما نصيحتكِ للمصممين المبتدئين؟
*أجابت: أعتمد الرسوم الثابتة بناءً على المتر المربع للتصميم، مع نسبة منفصلة للإشراف لضمان الشفافية. ونصيحتي للمبتدئين: احسب ساعات عملك الفعلي وجهدك واطلع على متوسط السوق، ولكن لا تعمل مجاناً أبداً، فقيمتك في وقتك ومعرفتك. التصميم ليس مجرد “اختيار ألوان” بل هو حماية للعميل من أخطاء تنفيذية كارثية ومكلفة جداً.
•لو طُلب منكِ تصميم منزل لشخصية تاريخية، من تختارين؟
*أجابت: المعماري الأسطوري “معمار سنان”. أود تصميم مساحته الخاصة لأرى كيف يمكن ترجمة عبقريته الهندسية التاريخية الضخمة في زوايا شخصية حميمية وصغيرة.
•ختاماً.. لو أتيحت لكِ الفرصة لكتابة رسالة قصيرة لـ “سارة بشير” في بداياتها، وللشباب الحالمين بهذا المجال اليوم، ماذا جاء فيها؟
*أجابت: لسارة البدايات أقول: “ثقي بحدسكِ المهني، ولا تخافي من رفض المشاريع التي لا تشبهكِ، فالصبر يبني اسماً أقوى من الاستعجال”. ولجيل اليوم أقول: “التصميم ليس مجرد ذوق؛ إنه علم، شغف، وحل للمشكلات.. انزلوا إلى مواقع التنفيذ، وتعلموا من الطوب والخشب قبل الشاشات”.

