الجامعة – أي جــامعة – هي مؤسسة ضخمــة، ذات أبعاد مختلفة. وهناك، كما نعرف، الكثير من الابعاد والنقاط (الجامعية) التي يحتاج تطويرها الى مناقشة، والتي تتطلب تغطيتها الكثير من الندوات والابحاث. وهذا المقال الصحفي العابر يذكر فقط ببعض تلك النقاط بجامعاتنا، ويوجز خواطر وملاحظات عنها، لا أكثر. ولاشك أن هناك أمورا أكثر الحاحا، لا تخفى على مراقبي أداء جامعاتنا، والمعايشين لها. وفى رأى، أن أولى الملاحظات وأهمها الان هي : اصدار نظام جيد جديد للجامعات الحكومية ( غير ما صدر مؤخرا)، ومثله للجامعات الخاصة؛ ضبط الاحلال بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس؛ انتخاب رؤساء الاقسام العلمية ووكلاء وعمداء الكليات؛ وقف التعاقد السلبي المفتوح؛ دعم البحث العلمي؛ ترشيد الارتباط مع ما يسمى بـ “سوق العمل”. وقد تطرقنا في المقال السابق لهذا، للملاحظتين الاوليين. ونكمل الحديث عن الملاحظات الاربع المتبقية فيما يلي :
(ثالثا) – أسلوب “تعيين” رؤساء الأقسام العلمية ووكلاء وعمداء الكليات، والاستعاضة عنه بالأسلوب الأنسب- المقنن وفق ضوابط… تنسجم مع نظامنا وتقاليدنا… وتحول دون ما يؤدي إليه أسلوب التعيين ذاك من : تحول كل جامعه إلى مؤسسة تابعه للسيد مديرها… نتيجة : تعيين “المدير” عمداء ووكلاء موالين له… وقيام “العميد” بدوره بتعيين رؤساء أقسام موالين له، ولمديره… دون اعتبار يذكر لمبادئ الكفاءة، وخدمة الصالح العام.
والنتيجة المباشرة لذلك هي: سيطرة مجموعات محددة على الجامعات… وتسيير الأمور فيها بما يخدم مصالح تلك المجموعات… التي
تعمل على تهميش وعزل البقية، التي غالباً ما تكون أكفأ وأصلح, وتكوين ” مراكز قوى”، والاستئثار بتمثيل الجامعات. والمحصـلة النهائية، تصبح : إبعاد غالبية الأساتذة (الأكثر كفاءة وعطاء) عن إدارة الجامعات، الأمر الذي يؤدي إلى : الغبن و تولد الأحقاد واللامبالاة لدى هؤلاء… وينعكس بالسلب على أداءهم وإنتاجيتهم…ثم ينعكس كل ذلك على مخرجات الجامعة، ومن ثم على مستواها العام.
ان ما يحصل بصدد تولي المراكز القيادية بمعظم الجامعات، لا يمكن لعاقل أن يقبله، خاصة لأنه ينعكس بالسلب على أداء الجامعات ونشاطها. لا تراعى”الاقدمية” في كادر أعضاء هيئة التدريس، ولا توجد “ضوابط ” واضحة يتم بموجبها تولي هذه المراكز . وكثيرا ما نجد طالبا سابقا ” يرأس ” مجموعة أساتذته السابقين … حيث يعين رئيسا أو عميدا عليهم، بحجة اتاحة الفرصة لمن يسمونهم ” كفاءات” … الذين سرعان ما يتضح أنهم من “حزب” المدير، أو العميد. وتلك الكفاءات كثيرا ما تستبد وتستبعد و” تهمش” غيرها، مهما كانوا متفوقين ومخلصين ومتميزين . فطالما هم من خارج “المجموعة المتنفذة”، فليس لهم من الامر شيء، ومكانهم في الصفوف الخلفية. والويل لهم أن كانت لهم اراء معلنة ضد المجموعة المتسيدة.
ان المخرج من هذه الحالة السيئة، هو انتخاب من يتولون هذه المراكز. وحتى الانتخاب يجب أن يكون وفق ضوابط محكمة، تضمن الانسيابية، ومراعاة “الاقدمية “، واختيار الافضل، علما وأخلاقا ونشاطا. فالانتخاب، بكل مساوئه، أفضل من هيمنة مجموعة واحدة على الجامعة، غالبا لا تضم أفضل الموجودين .
****
(رابعا) – التعاقد السلبي المفتوح : والمقصود هنا هو : ميل جامعاتنا للتعاقد مع أساتذة وأستاذات غير سعوديين، ولمدد غير محدودة، رغم وجود سعوديين وسعوديات لديهم نفس المؤهلات والامكانات، أو حتى مؤهلات أفضل.
ان من الجميل، والمفيد، أن تستقطب الجامعات الكفاءات العلمية الحقيقية المتميزة، ومن أي جنسية أتت. هذا يثرى العملية التعليمية والثقافية. ومع ذلك، يجب ألا تزيد مدة التعاقد عن خمس سنوات، وأن لا يكون ذلك على حساب أبناء الوطن. فمن المعيب ان يكون التعاقد المفتوح هو المصدر الرئيس لأعضاء هيئة التدريس الجامعي. هذا مصدر يجب تقليصه لأقصى حد ممكن، ولن نقول ايقافه، بل يجب أن يرشد وفورا. فطالما وجد السعودي الكفؤ فلا حاجة للأجنبي . يجب أن يكون التعاقد مع الاجنبي في أضيق نطاق. لسنا مسؤولين عن حل مشكلة البطالة في بلاد أخرى، يجب أن نسعى لحل هذه المعضلة في ديارنا.
ومن المؤسف والمحزن والمؤلم أن نرى استمرار التعاقد السلبي المفتوح في الوقت الذى تتزايد فيه أعداد السعوديين والسعوديات الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية من أرقى الجامعات الامريكية والاوربية، في مختلف التخصصات، الراغبين في العمل، وخدمة بلادهم، والذين يصابون بخيبة جارحة، عندما لا يجدون عملا رغم حاجتهم له، خاصة في جامعاتنا ، التي تزخر بمتعاقدين أجانب، كثير منهم أقل مستوى، وذوي امكانات متواضعة، أو شبه معدومة.
والامثلة على هذا الوضع المؤلم أكثر من أن تحصى. هناك متعاقدين مكثوا في بعض الجامعات عشرين عاما وأكثر، رغم تواضع تأهيلهم، ورغم ظهور سوءات لهم. وتسارع كثير من جامعاتنا بمقـــاعـــدة كثير من أساتذتها السعوديين، ولا تمدد خدماتهم، في الوقت الذى تتهافت فيه على التعاقد (السلبي المفتوح) مع أساتذة أجانب أقل مستوى وتأهيلا. ترفض جامعات التمديد لأساتذة سعوديين وسعوديات متفوقين، وتستبدلهم بأجانب، يتضح فيما بعد أن بعضهم غير مؤهلين أصلا. ويستبعد السعودي، ويمدد للأجنبي، لان الاخير يساعد بعض القياديين في كتابة بحوث للترقية …؟!
يصعب على أي مواطن، في الواقع، أن يقبل ان يقعد أحد أقاربه أو معارفه، او أي مواطن اخر، في بيته، بينما يتمتع وافد بوظيفة كان يجب أن يشغرها المواطن. هذه ليست عنصرية، او نعرة قطرية، وانما هو حق نطالب بإحقاقه، طالما هناك معاملة بالمثل. وبلادنا، حكومة وشعبا، تعبر دائما عن امتنانها وتقديرها لمن يخدمها، الضيف قبل المواطن. فنحن شعب يحفظ الجميل .
****
(خامسا) – البحث العــلــمي : ما زال الانتاج البحثي العلمي لجامعاتنا دون المستوى المأمول، كما وكيفا. فلم يحظى هذا الجانب من نشاط الجامعات بما يجب أن يناله من اهتمام. قال وزير التعليم الدكتور حمد ال الشيخ، قبل عامين تقريبا : ان ما تم انفاقه على البحث العلمي، من قبل الجامعات الحكومية، لا يتعدى 100 مليون ريال، في الوقت الذى رصد فيه للبحث العلمي مبلغ مليار ريال …؟! ولابد، والحالة هذه، من حث الجامعات للاهتمام أكثر بهذا الجانب من النشاط الاكاديمي، وتقديم حوافز لها، كي تعطى البحث العلمي اهتماما يوازى اهتمامها بالتدريس، على الاقل .
****
(سادسا) – “الارتباط بسوق العمل” : نسمع ونقرأ دعوات لجعل مخرجات الجامعات متناغمة تماما مع “متطلبات” سوق العمل. أي تخريج موظفين وعامـلين يقومون بالعمل المتقن فور تخرجهم من الجامعات. وتلك حجة يستخدمها البعض لصرف النظر عن شح الوظائف والاعمال، وصعوبة الحصول على شغل، وتبرير البطالة المتأصلة. ومع ذلك فهي مطلب مقبول ومنطقي، ولكن يجب أن لا يكون مطلبا مطلقا والا تم الغاء فكرة الجامعة من جذورها.
فالجامعة هي معقل العلم والثقافة والمعرفة، بكل فروعها … ويفترض أن تخرج متعلمين ومثقفين في مجالاتهم. والخريج الجامعي يسهل (نسبيا) تهيئته لأداء معظم الاعمال، بقدر قليل من التدريب، يخضع له قبل تولي مهمته. وهذا لا يمنع من التركيز على التخصصات التي يحتاج اليها المجتمع أكثر من غيرها، واعطاءها الاولوية من الاهتمام. أما أن نخضع كل مخرجات الجامعات لما يطلبه “سوق العمل”، فان ذلك ليس في صالح أي طرف، بما في ذلك سوق العمل.
****
وبعد، فان الموضوع كبير ومتشعب، والملاحظات بالتالي، كثيرة. ولكن الاختصار، ومحدودية الحيز يدفعا للاكتفاء بما ذكر .
**********************************************
