عصف الأخباريه-عبيرالقرني
بدأت أحداث القصة حين قُتل رجل ثري من بني إسرائيل، فاتهمت كل قبيلة الأخرى ودبّ النزاع بينهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: “وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ”.
فلجأوا إلى نبي الله موسى عليه السلام ليحكم بينهم، فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة، لكنهم استقبلوا الأمر بجمود وتشكيك قائلين: “أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا”، فأجابهم موسى عليه السلام بكل حزم ونبوة: “أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ”.
وبدلاً من المسارعة للامتثال، بدأوا بسلسلة من التعنت وكثرة السؤال، فطلبوا تحديد سنها، فجاء الرد الإلهي: “قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ”. ثم شددوا على أنفسهم بالسؤال عن لونها، فأخبرهم موسى بوصفها الدقيق: “قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ”.
ولم يتوقفوا عند ذلك، بل استمروا في الجدال وطلبوا مزيداً من التوضيح بدعوى أن البقر قد اختلط عليهم، فجاء الوصف الأخير الذي ضيّق عليهم الخيارات تماماً: “قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا”، عندها فقط أدركوا أنهم حصروا أنفسهم في زاوية ضيقة فقالوا: “الْآنَ جِئْتَ بِالْحقِّ”، فذبحوها بعد عناء وتكلفة عالية، والقرآن يصف ترددهم بقوله: “فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ”.
وعند وقوع الذبح، أمرهم الله بضرب القتيل بجزء من تلك البقرة، فوقعت المعجزة الكبرى التي يصورها القرآن بقوله: “فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”. فقام القتيل حياً بإذن الله، وأخبر عن قاتله الحقيقي، فزهق الباطل وانكشف المستور.
تتجلى الفائدة العظمى من هذه القصة في التحذير من “التنطع” والتشديد في الدين؛ فبنو إسرائيل لو ذبحوا أي بقرة في البداية لأجزأتهم، لكنهم لما شددوا بالأسئلة شدد الله عليهم في المواصفات.
كما تبرز القصة عظمة قدرة الخالق في إحياء الموتى بأساليب قد تبدو بسيطة في نظر البشر (الضرب بقطعة لحم)، لتكون آية للعقول وتثبيتاً لليقين بالبعث والنشور، مع التأكيد على أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء مهما حاول المفسدون كتمانه.
