عصف الأخبارية-عبيرالقرني
تجسد قصة عجل بني إسرائيل واحدة من أدق المواقف التي كشفت عن سرعة ارتداد النفوس الضعيفة عن الحق عند غياب الرقيب، حيث بدأت أحداثها حين ذهب نبي الله موسى عليه السلام لميقات ربه أربعين ليلة ليستلم الألواح، فاستغل رجل يدعى “السامري” هذا الغياب وصنع لهم عجلاً من حلي القوم التي قذفوا بها في النار، وأخرج لهم جسداً له خوار ادعى أنه إلههم وإله موسى، ورغم محاولات هارون عليه السلام لثنيهم وتذكيرهم بأن هذا فتنة، إلا أن الغالبية انساقت وراء الوهم وعبدوا العجل، وعند عودة موسى غضبان أسفاً، واجه السامري بحقيقته وحرق العجل وذراه في اليم، ليعيد قومه إلى جادة التوحيد بعد أن تسبب جهلهم واتباعهم للهوى في السقوط في هذا الاختبار القاسي.
ويبرز الدليل القرآني على هذا المشهد في قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوارٌ ۚ ألم يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ)، بينما يتجلى الشاهد على مكر السامري وتحليله النفسي في قوله سبحانه حكاية عنه: (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)، وهذا يوضح كيف استخدم السامري ذكاءه وقدرته على التمويه واللعب بالعواطف لإغواء القوم، مستغلاً “أثر الرسول” ليضفي صبغة قدسية زائفة على صناعته اليدوية.
وتتلخص الدروس في هذه الواقعة بأن الغفلة عن ذكر الله تؤدي بالمرء إلى التخبط في الضلال حتى لو رأى المعجزات بعينه، وأن القيادة الرشيدة تتطلب الحزم في مواجهة الانحرافات العقدية،
والخلاصة هي أن الله يختبر عباده عند غياب الأنبياء ليميز الخبيث من الطيب، فالعقيدة لا تُبنى على العواطف المتقلبة بل على اليقين الراسخ، والفتنة قد تأتي من أشخاص يمتلكون قدرة على التضليل وتزييف الحقائق مستغلين نقاط ضعف النفس البشرية تجاه المظاهر المادية.
