بقلم ✍️د. سعود ساطي السويهري
لم يعد الطلاق حدثًا اجتماعيًا يحتاج إلى مجلسٍ عائلي أو نقاشٍ مطوّل بين الزوجين، فاليوم يكفي أن تُكتب بضع كلمات عبر تطبيق أو تُضغط أيقونة واحدة لينتهي عقد سنواتٍ من الحياة المشتركة.
إنه ما بات يُعرف بـ الطلاق الإلكتروني، أحد أبرز تجليات التحوّل الرقمي الذي اقتحم أدق تفاصيل الأسرة العربية.
في زمنٍ أصبحت فيه التقنية شريكًا ثالثًا في العلاقة الزوجية ..
تحوّلت الهواتف الذكية من وسيلة تواصل إلى ساحة خلاف وصارت التطبيقات تحفظ الرسائل وتوثّق المشاعر، بل تُحرّك القرارات المصيرية أحيانًا دون وعيٍ كافٍ بعواقبها الإنسانية والاجتماعية..
ظاهرة تتجاوز التقنية لا يمكن النظر إلى الطلاق الإلكتروني بوصفه مجرد تطور في وسيلة الانفصال، بل هو انعكاس لتحوّلٍ أعمق في البنية الاجتماعية والعاطفية للأسرة. فالثورة الرقمية لم تُغيّر فقط أسلوب تواصل الأزواج، بل أعادت تشكيل منظومة القيم الأسرية ذاتها.
تآكلت الخصوصية في ظلّ حضورٍ دائم للهواتف والمنصات وتراجع التفاعل الإنساني المباشر لصالح الرسائل المختصرة، فيما أصبحت المقارنات عبر وسائل التواصل سببًا متكررًا لتفاقم الخلافات وضعف الرضا بين الأزواج، نتيجة الصورة المثالية التي تُقدّمها الحسابات عن حياةٍ تخلو من العيوب والمشكلات. أزمة وعي لا أزمة وسيلة ..
الطلاق الإلكتروني ليس نتيجة خللٍ في التقنية، بل في طريقة إدارتنا لها. إنها أزمة وعيٍ وجداني وأسري، حيث غابت الحدود بين الحياة الواقعية والعالم الافتراضي، وباتت القرارات الكبرى تُتخذ في لحظة غضبٍ رقمية دون تريّثٍ أو مشورة. في نهاية المطاف، لا تبدأ نهاية العلاقة من الشاشة، بل من صمتٍ طويل يسبق الرسالة الأخيرة، ومن غياب الحوار الذي يُفسح المجال لسوء الفهم والفتور. حين تُستبدل الكلمة الدافئة بنصٍّ جاف، يفقد الزواج روحه قبل أن يُعلن انفصاله رسميًا.
رسالة للمجتمع إن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على تقنين استخدام التقنية، بل تمتد إلى إعادة بناء الوعي العاطفي والإنساني داخل الأسرة. علينا أن نتذكّر أن التكنولوجيا وُجدت لتقرّب المسافات لا لتُوسّع الهوة بين القلوب، وأن الحفاظ على متانة العلاقات لا يتحقق بالتطبيقات، بل بالحوار والإحترام والتفاهم المتبادل..
