من أوقح، وأغرب، ما فاجئت به أمريكا- ترمب، العالم، هو فكرتها الاجرامية بـ “تهجير” أهالي غزة، الى المجهول، والى مصر والأردن. وهذا يعني تصفية ثلث القضية الفلسطينية، وبدون ثمن. وهذا الرئيس الهمام، صاحب المبادرة، بدل أن يطالب بتهجير أهل غزة، وامتلاكها لغرض الاستثمار، كان الأولى به أن يداوي جراحهم الفادحة، بدل الطمع (الرأسمالي) الجشع في أرضهم، التي لا تتجاوز مساحتها 56كم2، أي ما يعادل ربع مساحة أصغر الولايات الامريكية مساحة. كان الأولى به أن يطالب بتهجير الغزاة (الإسرائيليين القتلة)، واعادتهم الى بلادهم المختلفة، وإنقاذ المنطقة من وباء قاتل.
وفي الواقع، فان أمريكا- ترمب، بطرحها لهذه الفكرة الظالمة، انما تستخف بعقول العرب وبمشاعرهم، وتداهن الصهاينة وتسترضيهم، لدرجة الذل. ان من يستحق، وينبغي، أن “يهجر” هم الصهاينة المجرمين، الذين احتلوا فلسطين، قادمين من شتى بقاع العالم. وتعدادهم الان حوالي 6 مليون نسمة، يمكن استيعابهم في احدى الولايات الامريكية، ذات المساحات الكبيرة، طالما أن حب الصهاينة أصبح، بالنسبة لأمريكا- ترمب، مثل محبة “عيسى”، عليه الصلاة والسلام، نفسه، الذي قتل نتيجة مؤامرة صهيونية معروفة.
أن من كتب عليهم “التهجير” والتيه والضياع أربعين عاما، عقابا لهم على عصيانهم أمرا لله (سبحانه وتعالى) الوارد على لسان كليمه سيدنا موسى، عليه الصلاة والسلام، أولى بالتهجير. وهنا يجب أن نذكر بما يدحض ادعاء الصهاينة بأن الله أعطاهم أرض فلسطين. هذا الامر الإلهي أصبح لاغيا، بعد أن رفض اليهود الهجرة الى فلسطين. ثم أن هذا الامر صدر ليهود ذلك الزمان، وليس ليهود العصر الحديث.
ونزلت في رفضهم لتوجيه سيدنا موسى، عليه الصلاة والسلام، الهجرة الى فلسطين، عدة آيات، تؤكد الغاء الامر، ومعاقبتهم على رفضه. من ذلك: قوله سبحانه وتعالى:” وقطعناهم في الأرض أمما، منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك. وبلوناهم بالحسنات والسيئات، لعلهم يرجعون”. سورة الأعراف، الآية رقم 168.
كما يجب أن نضيف هنا الى أن مغادرة أي شعب أرضه، أو وطنه، ثم الإصرار على العودة اليه، بعد ألفي سنة من رحيله، هو ضرب من الظلم والعدوان والإساءة الكبرى للشعب الذي سكن تلك الأرض، منذ حوالي ألفي عام. ويتضاعف هذا الظلم، يا سيدة أمريكا-ترمب، عندما لا يكتفى الغزاة باحتلال الأرض، بل يرفقون ذلك بارتكاب شتى صنوف التنكيل، والمضايقة، والابادة بالسكان، لإرغامهم على “الهجرة” من بلادهم.
كان الامر الإلهي يتمثل في قوله تعالى، على لسان سيدنا موسى، عليه السلام: ” يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم، فتنقلبوا خاسرين”. الآية 21 من سورة المائدة. وجاء رفضهم في الآية 22 من سورة المائدة: “قالوا يا موسى ان فيها قوما جبارين، وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها”. وكذلك الآية 24 من سورة المائدة: ” قالوا يا موسى لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا، انا ههنا قاعدون”. ولتأكيد الغاء ذلك الامر الإلهي، نزلت الآية “26 “، من سورة المائدة أيضا. ونصها “قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين”.
والصهاينة ليس لهم، كما هو معروف، من مرجعية، الا توراتهم المحرفة.
نعم، ان الاحق أن “يهجر” هم الصهاينة الدخلاء، وخاصة المحرمين منهم، ليعودوا الى بلادهم، بما في ذلك الدول التي لفظتهم، وطردتهم. ومعروف، أن تعداد اليهود في العالم اليوم 16 مليونا، أغلبهم صهاينة. ومعروف، أن اليهودية دين، أما “الصهيونية”، فهي حركة سياسية استعمارية مجرمة. ويقسم يهود اليوم الى قسمين رئيسين: أشكناز، وسفرديم. ولا تبرر صلة يهود “السفرديم”، وهم يهود الشرق، بفلسطين، اطلاقا اغتصابهم لفلسطين. أما صلة اليهود “الاشكناز”، وهم يهود الغرب، بالمنطقة، فتكاد أن تكون معدومة، ناهيك أن تكون لهم صلة تذكر بأرض فلسطين. وما جاء في بعض الكتب السماوية عن هذه الصلة انما خص به يهود ذلك الزمان فقط. أي اليهود الذين تواجدوا في عهد سيدنا موسى، عليه السلام. لنعى هذه الحقائق جيدا، ولا نركن للروايات الصهيونية الكاذبة في هذا الشأن.
ولأسلوب حياتهم الاستفزازي، نفرت منهم كل الشعوب، التي سكنوا في ارضها. وجشعهم جعلهم عرضة لسلسلة من الاضطهاد، والطرد. حيث طردوا، كما ذكرنا، من كل البلاد التي استوطنوا فيها، عدا البلاد العربية، التي يوجهون لها اليوم أبشع الاساءات. وبالنسبة لهجراتهم الى فلسطين، فقد بدأت هجراتهم المكثفة الى فلسطين، في الفترتين: الفترة 1882-1918م حيث هاجر(غزا) نحو 25 ألف يهودي فلسطين، والفترة 1904- 1948م، حيث غزا نحو 40 ألفا فلسطين. وبدأت أعداد الصهاينة تتزايد منذ العام 1948م، تاريخ قيام الكيان الصهيوني، في قلب الامة العربية.
وختاما، لابد من التذكير بأن قيام ونمو وتوسع إسرائيل، انما تم بدعم غربي مغرض، يهدف للتخلص من اليهود، ونكاية بالأمة العربية، بإقامة قاعدة متقدمة، ضد هذه الامة، من ألد أعدائها.

