الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

تجربة المريض.. ليست مكتب شكاوى

في أحد أقسام التنويم، جلس مريض مسنّ على سرير متهالك يئن مع كل حركة. مضت يومان وهو يطلب تغييره دون استجابة. حين اقترب منه موظف تجربة المريض وسأله عن حاله، أفرغ المريض ما في قلبه من تعب وضيق. لم يحمل الموظف مفكًا ليصلح السرير، لكنه حمل همّ المريض؛ سجّل ملاحظته، تواصل مع قسم الصيانة، تابع معهم حتى جاء السرير الجديد. وعاد إليه بابتسامة يسأله: “هل ارتحت الآن؟”، فابتسم الرجل قائلًا: “الله يجزاك خير.. أخيرًا قدرت أنام.”

هذه القصة البسيطة تختصر جوهر إدارة تجربة المريض: الاستماع والتعاطف والتنسيق والمتابعة حتى يصل صوت المريض ويُحل مشكلته. إنها ليست إدارة تنفيذية أو خدمية، بل البوصلة التي تضمن أن رحلة المريض لا تضيع وسط زحام الإجراءات.

من “حقوق وعلاقات” إلى “تجربة”

في الماضي، كانت إدارة حقوق وعلاقات المرضى تركز على الشكاوى والحقوق النظامية.

اليوم، ومع تطور المنظومة الصحية وتوجه وزارة الصحة نحو الجودة الشاملة، ظهر مفهوم أوسع: تجربة المريض.

مفهوم يراقب الرحلة الكاملة، يقيس الانطباعات، يحوّل الشكاوى إلى بيانات، والبيانات إلى تحسينات.

موظف التجربة.. السفير الإنساني

موظف تجربة المريض ليس موظف شكاوى.

هو من يستمع، يشرح، يوجه، ينسّق، يتابع، ويطمئن.

هو سفير المريض داخل المستشفى، ينقل صوته بلغة إنسانية للأقسام، ويترجم معاناته إلى فرص تحسين.

الوحدات الثلاث.. هيكل التجربة

وزارة الصحة وضعت إطارًا واضحًا لعمل إدارة تجربة المريض، بثلاث وحدات رئيسية:

1️⃣ البلاغات الرسمية: تستقبل الشكاوى عبر القنوات المعتمدة وتتابعها حتى الإغلاق.

2️⃣ دعم المريض ومساندة حقه: وحدة تثقيفية تمكينية، تشرح للمرضى حقوقهم وترافقهم معنويًا.

3️⃣ القياس والتحسين: تحوّل بيانات الرضا إلى خطط تطويرية مستمرة.

بهذا التقسيم، لم تعد الإدارة مجرد رد فعل، بل أصبحت منظومة استباقية لتحسين الخدمة.

🌿 قصص من الميدان

في العيادات الخارجية، جلست سيدة حائرة تحمل أوراقها لا تعرف كيف تحصل على تقرير طبي لابنها. اقترب منها موظف التجربة، شرح لها حقوقها، وأرشدها للخطوات الرسمية. لم يكن الحل بيده، لكنه كان المفتاح الذي دلّها على الطريق.

في قسم الزيارة، جاء شاب يرافق والده المسنّ وهو لا يعرف إن كان من حقه البقاء معه. بهدوء شرح له الموظف أنه يستطيع طلب بطاقة مرافق عبر شؤون المرضى، وساعده في متابعة الطلب. بعد دقائق عاد الشاب وهو يقول: “شكراً.. كنت أظن أن الأمر مستحيل.”

الفرق بين الأقسام

تجربة المريض: إدارة إنسانية استراتيجية، تقيس رضا المرضى، تتابع الشكاوى، تثقف بحقوق المريض، وتحوّل الملاحظات إلى خطط تحسين.

شؤون المرضى: إدارة تشغيلية خدمية، مسؤولة عن التنويم والخروج، المواعيد، البطاقات، والتقارير الطبية الرسمية.

الخدمة الاجتماعية: إدارة إنسانية علاجية مساندة، تقدم الدعم الاجتماعي والنفسي، وتساعد المرضى المحتاجين أو ضحايا الظروف الخاصة.

كل قسم يكمل الآخر، والفارق بينهم مهم:

المريض يتلقى الخدمة من شؤون المرضى.

يجد الدعم الاجتماعي من الخدمة الاجتماعية.

ويجد الصوت الذي ينقل تجربته ويقيس رضاه في إدارة تجربة المريض.

✨ الخلاصة

تجربة المريض ليست مكتب شكاوى، وليست بديلًا عن شؤون المرضى أو الخدمة الاجتماعية، بل هي البوصلة التي توجه المستشفى نحو المريض.

هي الإدارة التي تضمن أن الخدمات الطبية لا تُقاس فقط بجودة الفحص أو سرعة العلاج، بل أيضًا بما شعر به المريض في رحلته.

إننا بحاجة لأن ندرك أن إدارة تجربة المريض ليست مكتب شكاوى، بل إدارة إنسانية استراتيجية، تحمل همّ المريض، وتنصت له، وتحوّل معاناته إلى فرصة تحسين، ورضاه إلى مؤشر نجاح.

فوزي بليله

فوزي بليله

41 مقالة
منضم منذ 17 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *