عصف الاخبارية – ابتسام الدوسري
المرأة ليست مجرّد جسد يمضي في الحياة، ولا هي كائن ضعيف وُجد ليُكمل الصورة. المرأة روحٌ تهفو، وقلبٌ ينبض، وعقلٌ يحمل آلاف الأحلام. لكن، ما أثقل اللحظة التي تخبو فيها شرارة الشغف من عينيها… ما أصعب تلك المرحلة التي تُطفأ فيها أحلامها بصمت، دون أن يلحظها أحد.
حين تفقد المرأة شغفها، لا يحدث ذلك فجأة. بل يبدأ بصوتٍ خافتٍ في داخلها يقول: “ما الفائدة؟”. ثم شيئًا فشيئًا، تخفت الألوان من حياتها، وتتحول الأشياء التي كانت تُفرحها إلى طقوس تؤدى بلا شعور.
تُصبح الأغاني التي كانت ترقص عليها… بلا معنى. الأماكن التي كانت تنتظر زيارتها… عادية. الهوايات التي كانت تملأ قلبها حياة… تُهمل دون أسف. وكأن شيئًا انكسر في داخلها، ولم تعد تملك القوة لإصلاحه.
في أغلب الأحيان، تُحاصر المرأة بسلسلة طويلة من المسؤوليات التي لا تنتهي: أمًا، زوجة، ابنة، موظفة، معطاءة لا تكلّ، حاضرة لكل من حولها. تُراعي الجميع، وتفكر باحتياجات الكل، وتُطفئ حرائق غيرها بصبرٍ نادر.
لكن، من يُراعيها؟ من يسألها كيف حال قلبها؟ هل تحتاج إلى شيء؟ هل ضاقت بها الدنيا وهي تبتسم؟ حتى الأقربون، أولئك الذين تنام وفي قلبها دعاء لهم، يكونون في كثير من الأحيان أشدّ الناس بُخلًا بالسؤال عنها. يعتادون على عطائها، حتى ينسوا أنها إنسانة لها طاقة وحدود ومشاعر.
المرأة لا تطلب الكثير، فقط نظرة تقدير، كلمة تحتويها، لحظة صدق تُشعرها أنها مرئية، محبوبة، مهمة.
والمال بالنسبة لها ليس ترفًا حين يتعلق الأمر بالكرامة والراحة والحرية. كثير من النساء يفقدن الشغف لأنهن يشعرن أنهن حبيسات ظروف مادية قاسية، تضطرهن للتضحية بأحلامهن. امرأة تضطر لترك دراستها لتساعد أهلها، أو أخرى تعمل بلا توقف لتوفر لأطفالها حياة كريمة. كم من موهبة دفنت تحت ضغط القروض والفواتير؟ كم من حلم تحول إلى عبء؟ لكن ما يؤلم أكثر من الفقر هو شعور المرأة بأنها لا تستحق أن تحلم.
وأحيانًا، تفقد المرأة شغفها ليس لأنها لا تملك شيئًا، بل لأنها لا تُرى. لا تُقدّر. لا تُسمع.
أن تُنكر مشاعرها، أن تُسفه طموحها، أن تُختزل قيمتها في دورٍ واحد، كأنها خُلقت لتكون أمًا فقط، أو زوجة فقط، أو موظفة فقط. أن يُقال لها إنها “أنانية” لأنها تريد أن تسافر، أو تكتب، أو تُكمل دراستها، أو حتى أن ترتاح قليلاً دون أن تشرح السبب.
فالشغف ليس رفاهية. إنه ما يُبقي الروح حيّة. والمرأة التي تفقد شغفها، تُشبه زهرة قُطعت عن ضوئها ومائها. قد تبتسم، قد تطبخ، قد تذهب إلى العمل، لكنها في داخلها تموت ببطء.
فرفقاً… حين تختنق الروح، فهي بحاجة إلى صوتٍ يقول لها: “أنتِ تستحقين”.
بحاجة إلى من يمنحها مساحة لتجرب، لتفشل، لتنجح…
بحاجة إلى من يحتضن طموحها لا يُخنقه، من يسألها بصدق: “كيف حالك؟”
وأحيانًا، يكفي أن تؤمن بذاتها، أن تنظر لنفسها في المرآة وتهمس:
“أنا أستحق حياة تُشبهني.”
