لا شك أن المناطق العشوائية من الظواهر التي لا تقتصر على دولة معينة، ولهذه المشكلات تداعيات خطيرة، بالرغم من أنها أمرا واقعيا يضم آلاف من المواطنين؛ لذا فإنها من القضايا المُلِحة، فقد نشأت هذه المناطق بشكل غير قانوني- وفقا لمشروعية البناء- وبدون تخطيط منظم في فترة معينة.
وقد تكونت بداية العشوائيات قديما من خلال تجمعات أقليات من أماكن مختلفة، ضمت حارات ليعيشوا فيها مثل الطندباوي وحارة يمن والحفاير ودحلة الرشد وغيرها، وخصوصا أنها أماكن قريبة من الحرم المكي، وبعد رحيل أهل الحارة الأصليين، وبقاء الكثير من العمالة المخالفة ، ضمت هذه الأماكن العديد من الوافدين غير النظاميين من ذوي المواصفات غير الجيدة؛ والعديد ممن استوطنوا مكة وأصبحوا يرتكبون المخالفات القانونية، والتي أفسحت المجال للجريمة والفساد؛ وبناء عليه جاءت الحاجة الماسة والملحة للقضاء على هذه الأحياء؛ بما تحويه من مخاطر وتهديدات تمثل خطرا على النواحي الأمنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والحضارية.
وقد أزاح تطوير العشوائيات الستار عن وجه مكة القديم، بما كانت عليه من عشوائية، ماذا كانت وكيف أصبحت؟ إن مكة المكرمة الآن تنفض غبارها عن العشوائيات؛ لتحسين جودة حياة المواطنين والمقيمين نفسيا واجتماعيا واقتصاديا وحضاريا؛ تماشيا مع رؤية المملكة العربية السعودية؛ فقد سعت المملكة إلى خطة تطويرية ضخمة؛ تهدف إلى إزالة العشوائيات التي لا تتناسب مع المخطط العمراني الحديث للمدينة المقدسة، والتي لا شك أن هذه العشوائيات خطر يعرقل على سكانها الاستفادة من التنمية الحقيقية، كما أن هذه العشوائيات نشأت على إثر ظروف اجتماعية وثقافية واقتصادية في فترة سابقة، وهذه العشوائيات هي خلل واضح في البنية والتركيبة السكانية ممايزيد أعداد المخالفين لأنظمة الدولة ويشكل خطرا على مكة وساكنيها وزوارها.
وبالرغم من التطوير والحداثة وتحويل مكة إلى مدينة ذكية، وهذا ما نأمله وننتظره؛ إلا أن الحديث هنا عن الناحية النفسية المقصودة في هذا المقام؛ والتي تتمثل في وجدانات وذكريات أهل الحارة الذين غادروا هذه الأماكن إلى أماكن أخرى، فالشاهد هنا هو الحنين والشعور بالاشتياق والتقدير لمسقط الرأس الذي يعتبر جزءا رئيسًا من الهوية الشخصية والتكوين النفسي الذي يجرف صاحبه إلى بدايات الحياة وملامح الطفولة، بذكريات نحبها وما زلنا نَحِنُّ لها ومتعلقين بجذورها وروائحها، والعبرة هنا أيضا هي التعبير عن عمق ارتباط الإنسان بجذوره، وهو شعور يصعب الخلاص منه بسهولة.
ولا شك أن هذه الحارات كانت دفء لأهل مكة، وكان أهل الحارة كأنهم أسرة واحدة، شارعا ومسجدا وبيوتا، وقد تفرق أهل مكة إلى شرقها وغربها، ومن بين الحنين الدال على مرتع الطفولة ودفء الذكريات أن أهل الحارات الآن يذهبون لرؤية الإزالات وتصويرها، حيث افتقاد الألفة ودفء الحارات والجيران، فنسمع عبارات الحزن والحنين على فقدان البيوت، فقد جبل الإنسان على حب المكان الذي نشأ وترعرع فيه، فحينما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، في الحديث الذي رواه ابن عباس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَكَّةَ: مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحبَّكِ إلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ“. رواه الترمذي وصححه الألباني.
إن وقوف الانسان على أطلال المكان الذي ارتبط به وجدانه وذكرياته؛ يجذب أمام ذاكرته سلسلة أحداث حياتية؛ فيسترجع نسخته القديمة والأساسية، ويقف أمام ذكريات الانتماء القديم الذي يعبر عن القيمة المعنوية التي سيطرت عليها هذه الأماكن من مواقف وأجواء وجيران وأصحاب ولعب وأوقات، ويكاد القلب يرسم لوحة من الحنين والاشتياق، والوجدان ينطق بصوت عالٍ على أن الحفر في تطوير هذه الأماكن من أجل التنمية والتطوير؛ إنما هو حفر عميق وغوص في أعماق الذكريات وسبر أغوار النفس؛ وصولا لجذور القلب الذي نبض وما زال ينبض حنينا للماضي وذكريات الصبا ومرتع الطفولة، بالرغم مما كان من الازدحام والاكتظاظ بالسكان والأماكن والمِساحات.
فيا مرحبا بالتطوير والإنشاءات، ويا لقوة الحنين ودفء الذكريات، التي تجلب الإنسان إلى مواطن الفكر والارتباط بالعواطف والوجدانات، وما يستشعر هذه المواقف والإحساسات سوى من يحفظ ويعشق تراب بلده وموطنه ومسقطه، ويرتبط بها فكرا وعاطفة وسلوكا، لينشر للعالم كله قيمة كل شبر من أرضه بما تحويه من ذكرى وعظمة، وما تحفظه من تاريخ ووحدة وألفة وانتماء ومواطنة.
معالجة العشوائيات… (ما بين الحداثة والذكريات)
