عصف الأخبارية–سمر دمنهوري
ومن فضائلِ قيامِ شهرِ رمضانَ، أنَّه سَبَب لغُفرانِ ما تَقدَّمَ مِن الذُّنوب ، ففي صحيحِ مُسلِمٍ عن أبي هُرَيرةَ رَضِي اللهُ عنه، قال: كان رسول ُ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم يُرَغِّب في قيامِ رَمَضانَ مِن غَيُّرِ أن يأمُرَهم فيه بعزيمةٍ، فيقول: ((مَن قام رمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تقَدَّمَ مِن ذَنبِه))، وقولُه: ((إيمانًا واحتِسابًا)) أي: تَصديقًا بفَضلِ هذه اللَّيالي، وفَضلِ العَمَلِ فيها، وابتِغاءً لوَجهِ اللهِ ورَغبةً في الثَّواب مِن عِندِ اللهِ تبارَك وتعالى، ومَن صلى َّ القيامَ مع الإمامِ حتى يَنصرِفَ كُتِب َله قيامُ ليلةٍ كاملةٍ، فصحَّ عن أبي ذرٍّ رضي اللهُ عنه أنَّ رسول اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: (إنَّ الرَّجُلً إذا صلى َّمع الإمامِ حَتَّى ينصرفَ حُسِب َله قيامُ ليلةٍ))، ((حتَّى يَنصرفَ)) أي: حتَّى ينتهيَ الإمامُ مِن صلاتِه.
ويُستحَب أداءُ صلاةِ التُّراويحِ جماعةً في المسجدِ، ففي الصحيحَينِ عن عائشةَ رَضِي اللهُ عنها ((أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم صلى ذات ليلةٍ في المسجِدِ، فصلى بصلاتِه ناس، ثمَّ صلى مِن القابِلةِ، فكَثُر النَّاس، ثمَّ اجتمَعوا من اللَّيلةِ الثَّالثةِ أو الرَّابعةِ، فلم يخرُجْ إليهم رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم، فلما َّ أصبَحَ قال: قد رأيت ُ الَّذي صنَعْتُم، ولَم يمنَعْني مِن الخُروجِ إليكم إلا أني خَشِيت أن تُفرَض عليكم، وذلك في رمضانَ)))، وفي روايةٍ لهما: ((خَشِيت أن تُفرَض عليكم، فتَعجِزوا عنها)). فالنبيُّ صلى اللهُ عليه وسلَّم صلى صلاةَ التُّراويحِ بالجماعةِ في المسجدِ، ولَم يمنعْه من الاستمرارِ بالجماعةِ إلا َتخوُّفُه أنْ تُفرَض على الأمَّةِ، ومعنى ذلك أنَّ فِعلَها جماعةً في المسجدِ أفضل، وليس لصلاةِ التُّراويحِ حدٌّ مُعَين لا يُزادُ عليه ولا يُنقَص ُ منه، ففي الصحيحينِ عن عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رَضِي اللهُ عنهما، قال: قال رسول اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم: ((صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثنى، فإذا رأيت أنَّ الصُّبحَ يُدركُك فأَوتِرْ بواحدةٍ)). فقيل لابنِ عُمَرَ: ما مَثنَى مَثنَى؟ قال: تُسلِّمُ في كُل ِّ ركعتينِ. فالنَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلَّم يعين ِّعَدَدَ الرَّكعاتِ الَّتي يأتي بها المُصلي ِّ قَبل َ الوِترِ. ولكِنَّ هَدْيَه في قِيامِ اللَّيلِ أنَّه كان يُصلي إحدَى عشرةَ رَكعةً.
ومِن الأعمالِ الصالحةِ: أداءُ العُمرةِ. فإنَّ الأفئدةَ تِهفو لزيارةِ بَيت اللهِ الحَرامِ برَغبةٍ عارِمةٍ وشَوق عَظيمٍ، وخصوصًا في رمضانَ؛ ففيه يَجتَمِعُ شَرف الزَّمانِ والمكانِ، وشَرفُ العبادةِ.
والعُمرةُ هي: التَّعبُّدُ للهِ تعالى بالطَّواف ِ بالبيت، والسَّعْيِ بَينَ الصفا والمروةِ، والتَّحَلُّلِ منها بالحَلق أو التَّقصيُّرِ، فقد صحَّ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِي اللهُ عنه، أنَّ رسول َ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسلَّم قال: ((تابِعوا بَينَ الحَجِّ والعُمرةِ؛ فإنهَّما ينفيانِ والمتابَعةُ بَينَ الحَجِّ والعُمرةِ تَنفي الفَقرَ والذُّنوب كما ينفي الكِيُّرُ خبَث َ الحديدِ والذَّهَبِ والفِضةِ))، والعُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارةٌ لمِا بينَهما.
فروى الشَّيخانِ عن أبي هُرَيرةَ رَضِي اللهُ عنه أنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلَّم قال: ((العُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارةٌ لمِا بينهما)). أي: مَن اعتَمَر عُمَرتَينِ مُتتابعتَينِ كانَتا سَببًا في تَكفيُّرِ ما بينَهما مِن صغائرِ الذُّنُوب، والعُمرةُ في رمضانَ تَعدِل ُ حَجَّةً مع النَّبيِّ صلى َّ اللهُ عليه وسَلَّم، ففي الصحيحينِ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِي اللهُ عنهما، قال: قال رسول ُ اللهِ صلى َّ اللهُ عليه وسَلَّم لامرأةٍ مِن الأنصارِ: ((… إذا جاء رمضانُ فاعتَمِري؛ فإنَّ عُمرةً فيه تعدِل ُ حَجَّةً)). وفي روايةٍ لهما: ((فإنَّ عُمرةً في رمضانَ تقضي حَجَّةً -أو حَجَّةً معي-))، قال بعض العُلَماءِ: (إنَّما عَظُم أجرُ العُمرةِ في رمَضانَ لحُرمةِ الشَّهرِ، ولشِدَّةِ النَّصب والمشَقَّةِ اللاحِقةِ مِن عَملِ العُمرةِ في الصومِ).
ومِن الأعمالِ الصالحةِ المتعَلِّقةِ برمَضانَ: الاعتِكافُ والمرادُ به: الإقامةُ في المسجِدِ بنِيَّةِ التَّقرُّب ِإلى اللهِ عَزَّ وجل، ليلا ً كان أو نهارًا، وأفضل ُ الاعتكاف ِزمنًا ما كان في رمضانَ، وآكَدُه ما كان في العَشْرِ الأواخِرِ منه، ففي الصحيحينِ عن عائشةَ رَضِي اللهُ عنها ((أنَّ النَّبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم كان يعتكِفُ العشْرَ الأواخِرَ مِن رمضانَ حتَّى توفَّاه اللهُ، ثمَّ اعتكَفَ أزواجُه مِن بَعدِه))، وكُل ُّ إقامةٍ في مسجدٍ للهِ تعالى بنيَّةِ التَّقرُّب إليه فهي اعتِكافٌ، سواءٌ قلَّت ِالمدَّةُ أو كثُرَت؛ حيث لَم يخُص َالشَّارعُ عَدَدًا. وأفضل أماكِنِه: المسجِدُ الحرامُ، ثمَّ المسجِدُ النَّبويُّ، ثمَّ المسجِدُ الأقصى، ثمَّ المسجِدُ الجامِعُ الَّذي تُقامُ فيه الجُمُعةُ، إنَّ الاعتِكافَ خَلوةٌ باللهِ تعالى، ينقَطِعُ المُسلِمُ بها عن مَشاغِلِ الحياةِ ومُلهياتِهِا، ويتفَرَّغُ لعبادةِ رَبِّه وطاعتِه، والتَّقرُّب إليه، ويأنَس ُ بذِكرِه ويَلهَجُ بدُعائِه، وهو عُزلةٌ مع النَّفسِ، فيحاسِبُها ويصحِّحُ مسارَها، ويَجَدِّدُ عَهدَه مع اللهِ عَزَّ وجَل َّ .
