الأحد، 11 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

هل كان ” تـرمـــــب” أم “هاريس” أفضل…؟!

لسياسات أميركا الكونية، باعتبارها دولة عظمى، تأثيرات كبيرة على الأحداث الكبرى، المحلية والإقليمية والعالمية. لهذا، يهتم العالم بما يحصل من “تطورات”، وتغييرات في الساسة (والسياسات) بأميركا. ومن ذلك: ما يبديه العالم الآن من اهتمام كبير بانتخابات الرئاسة الأمريكية، التي جرت يوم 5 نوفمبر الماضي. كنا نتساءل: ترى، من سيفوز في هذه الانتخابات، وما هي أبرز التغييرات السياسية المتوقعة في عهــــــده، ومن سيستفيد، ومن سيتضرر؟! تلك هي، في الواقع، بعض أسئلة الساعة القلقة، في اغلب أرجاء العالم، وخاصة في المنطقة العربية، التي تعتبر من أكثر مناطق العالم تأثرا بتوجهات السياسات الأمريكية الخارجية. وذلك قبل أن يحسم دونالد ترمب السباق، ويفوز بالرئاسة، للمرة الثانية.
وقد تأكد، أن المرشحين الرئيسين بهذه الانتخابات كانا: دونالد ترمب الجمهوري، وكاميلا هاريس الديمقراطية. وكان هناك شبه إجماع عام، بان حكومة الجمهوري ترمب، في رئاسته الأولى، كانت تعتبر من أكثر الحكومات الأمريكية اضرارا بقضايا الأمة العربية، وغيرها، إن اخذ في الاعتبار تداعيات ما حصل إثناءها… ومن ذلك تطرفها، وتوجهها الممعن في تأييد إسرائيل، ونقل السفارة الامريكية الى القدس. وأيضا الاعتراف بضم إسرائيل للجولان، ويهمه أن تتوسع إسرائيل. بعض العرب كانوا يتمنون أن يفوز ترمب في انتخابات 2018 م الماضية، وان يأتي الأمريكيون بإدارة جديدة، يتصدرها رئيس يتعامل مع قضاياهم بشيء من العدالة. ولكن كل المعنيين فوجئوا بأن ترمب يحمل تعال وعنصرية تجاه كثير من مناطق العالم، ومنها المنطقة العربية. غالبية العرب (والمسلمين) كانت مستاءة من ترمب، بسبب ما اتخذه من قرارات وسياسات تتعلق بالعرب والمسلمين وغيرهم، وما لم يتخذه من سياسات، كانت ستكون في صالح شعوبهم وصالح أميركا، وتصب في مصلحة الامن والسلم الدوليين. وفى مقدمة ذلك: مواقف أكثر حسما تجاه الارهاب، وتجاه الكيان الصهيوني، وتجاه حقوق الانسان.
أتى ترمب متحمسا حتى التطرف، في الدورة الأولى لتوليه الرئاسة، أتى بعد “باراك أوباما” مباشرة، وقبله “أسوأ رئيس أمريكي” وصل للسلطة، بالنسبة لأميركا وللعالم، وهو جورج بوش الابن…. الذي كان ينظر إليه الكثير من الأمريكيين وغيرهم، على انه: خطر… يتهدد العالم بأسره. وكان على العالم إن يتعايش مضطرا مع إدارة بوش، ثمان سنوات عجاف…. استمرت تلك الادارة في غيها، ضاربة بعرض الحائط كل القيم الأمريكية والإنسانية النبيلة. لكن هناك كثير من المراقبين يعتبرون ادارة ترمب الاولى هي الأسوأ، خاصة بعد موقفه من انتخابات الرئاسة سنة 2018 وما عمله يوم 6 يناير 2020م.
ويعتقد أن انتخابات الرئاسة الامريكية الاخيرة هي من أغرب الانتخابات، التي مرت بها أمريكا. حيث إن المرشح الأول هو الرئيس السابق ترمب، الذي ما زال يطارد قانونيا، لمخالفات صدرت عنه. أما المرشحة الثانية، فكانت “كاميلا هاريس”… أول امرأة ترشح لمنصب الرئيس. كما أنها ذات أصول أفريقية وهندية، وليست من فئة الـ WASP.

وهما مرشحان باهتان، ليس لأي منهما شخصية قيادية مقبولة على نطاق واسع. وكان من السابق لأوانه الظن أن الديماغوجي “ترمب” سيخسر الانتخابات، بالفعل، أمام هاريس. إذ أن فرصه في الفوز كانت قائمة، ولم تقتلها الاحكام القضائية التي اتخذت ضده، تماما… بسبب الإنفاق والجهد الهائلين الذين خصصهما ترمب لحملته الانتخابية، مدفوعا برغبته الجامحة للظفر بولاية ثانية، ووقوف معظم اليمين الأمريكي المتطرف، وكثير من أصحاب المصالح “الخاصة”، في صفه. صحيح، أن الاستفتاءات كانت تقول: إن الانتخابات لو جرت في الأسبوع قبل الاخير، فستفوز “كاميلا هاريس” بأغلبية ضئيلة. ومع ذلك، كان ينبغي عدم التسرع في التوقعات. فلم نعرف الفائز الا يوم 6/11/2024م.
مرة أخرى، كيف كانت ستكون “كاميلا هاريس”، وإدارتها، بالنسبة للعرب وقضاياهم، لو فازت؟!! يبدو انها ستكون “أقل” سوءا من منافسها، على أية حال. وهذا ما يمكن استنتاجه من تصريحاتها وأقوالها، فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية- العربية، بصفة عامة. وكذلك ما يتعلق بالخطوط العامة لسياستها الخارجية. أن دعم إسرائيل، وخدمة “مصالح” أمريكا الضيقة بالمنطقة، هي من ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية التي لا تتغير بتغير الساسة. ورغم ذلك، تظل لشخصية المسؤول الأمريكي- أي مسؤول- بصمته الخاصة المحدودة، وأسلوبه في إدارة العلاقات الأمريكية مع الأمم والشعوب الأخرى. فأميركا هي أصلا دولة مؤسسات. ومن وجهة النظر العربية، فان شخصية ومواقف وآراء هاريس، بشأن العرب وقضاياهم، لا تبعث على التفاؤل. موقفها من إسرائيل هو موقف المؤيد والداعم للكيان الصهيوني. لكنها، وبعد أحداث غزة، تؤيد ما يعرف بـ “حل الدولتين”، مع مراعاة سلامة وامن إسرائيل- أو كما قالت.
والواقع، إن مقارنة موقفي هاريس وترمب من أهم القضايا والمسائل التي تهم الأمة العربية (وأهمها: محاربة الارهاب، الاوضاع السياسية المضطربة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرهم، الصراع العربي – الإسرائيلي، السياسات التوسعية الايرانية، الملف النووي بالمنطقة والملف بشقه الإيراني، ما يسمى بـ “الإصلاح بالمنطقة” …الخ) تشير إلى عدم موضوعية (ومنطقية) موقفي هذين المرشحين. ترمب يتخذ مواقف معاكسة، ومتناقضة تماما، لمواقف هاريس في أغلب القضايا الكبرى. ولكن موقف كل منهما نحو العرب سلبي وشبه موحد، بصفة عامة.
ان محبي السلام في كل العالم يتمنون دائما أن تكون إدارة ترمب القادمة أكثر حكمة وتعقلا وانصافا…. وبما يعيد الاحترام لأمريكا، ويحسن من سمعتها، التي يجمع المراقبون أنها ساءت كثيرا مؤخرا، خاصة بعد أحداث غزة، وقبلها أفغانستان واوكرانيا. ولكنها أمنيات لن تتحقق، طالما استحكمت المصالح الخاصة، والصهيونية في عقول أشخاص ومؤسسات صنع القرار الأمريكي. وختاما، نذكر المعنيين العرب بالحكمة الدولية الذهبية المعروفة: لتعمل كل دولة لخدمة ما تعتقد انه مصالحها، ولتعطى الزمام للساسة النزيهين الشرفاء، لا للانتهازيين الغوغاء. فالأهم أن يعمل العرب على خدمة مصالحهم هم المشروعة، ويناضلوا دون حقوقهم. وعليهم أولا أن يتغلبوا على كل ما يمنعهم من ممارسة هذا الحق، أو أن يستســــلــموا لما يحـــاك ضدهــــم، ويهــدف لإبقـــائهم ضعفـــاء  …

 

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *