للمرة الأولى في تاريخه، صوت الكنيست الإسرائيلي، مساء الأربعاء 1/9/2024م، على قرار ينص على: رفض إقامة دولة فلسطينية حقيقية. باعتبار أن مثل هذه الدولة:” ستشكل خطورة على إسرائيل، ومواطنيها” – كما جاء في هذا القرار. وقد حظي القرار بتأييد 68 نائبا، من أصل 120 عضوا هو مجموع أعضاء الكنيست. وقد رفض القرار 9 نواب. أما الباقين، فقد تغيبوا عن جلسة هذا التصويت. وقد عمل الكنيست ذلك رغم اعتراف أكثر من 140 دولة، بفلسطين، كدولة مستقلة حرة.
وقد بادرت المملكة بالتأكيد على معكوس ذلك، مطالبة المجتمع الدولي بالعمل الجاد على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وحرة. حيث جاء على لسان وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، في دورتها 79 بنيويورك، أنه لابد من المسارعة في إقامة الدولة الفلسطينية، على حدود 1967م. ثم أعلن عن تشكيل تحالف دولي (مكون من : اللجنة العربية الإسلامية، مملكة النرويج، الاتحاد الأوروبي) لتنفيذ حل الدولتين. وذلك من منطلق الحرص على إقامة الدولة الفلسطينية، ووقف الصراع العربي- الإسرائيلي.
ان “حل” القضية الفلسطينية، يتطلب، أول ما يتطلب، إقامة دولة فلسطينية على كامل فلسطين التاريخية، أو إقامة إسرائيل على كامل فلسطين، أو الاخذ بحل الدولتين، أي إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م، جنبا الى جنب مع الكيان الصهيوني، أو إقامة دولة واحدة للشعبين. ومعروف، أن غالبية الصهاينة ترفض، إقامة دولة فلسطينية مستقلة، الى جانب إسرائيل. فهؤلاء يرفضون فكرة السلام، حتى شبه العادل، ويصرون على إقامة دولة يهودية عنصرية خالصة، وخالية من الفلسطينيين، أهل البلاد الأصليين. ذلك هو موقف غالبية الصهاينة الان.
ورغم مرور أكثر من ثلاثة أرباع القرن، على العدوان الصهيوني على فلسطين، والأمة العربية، وما نجم عن هذا العدوان من صراع دام، الا أن الكيان الصهيوني لم يقدم بادرة سلام واحدة. ثبت أن إسرائيل لا تريد السلام، مع الفلسطينيين والعرب، بل تريد الاستسلام لمشروعها الاستيطاني- الاستعماري التوسعي. فمنذ قيام اسرائيل في عام 1948م، طرحت العشرات من مبادرات “السلام” لحل هذه المعضلة، وانهاء مأساة الشعب الفلسطيني، التي نجمت عن قيام اسرائيل، واندلاع الصراع الفلسطيني – الصهيوني، والصراع العربي – الإسرائيلي. وقد عملت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على الالتفاف على كل هذه المبادرات، والسعي لتمييعها… والمضي قدما في خططها الرامية للاستيلاء على كامل فلسطين، عبر الاستيطان وغيره، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه في وطنه.
وأدت إسرائيل كثيرا من تلك المبادرات. ولكن، هناك مبادرات دولية لم تستطع اسرائيل وأدها كغيرها، رغم أنها أعلنت رفضها لها مرارا وتكرارا، ورغم قبول الفلسطينيين والعرب بها. ثم ها هي ترفض (رسميا) مبدأ حل الدولتين. وهناك قوى نزيهة في المجتمع الدولي تحرص على دعم حل الدولتين، وتحاول فرضه على اسرائيل، التي تستقوى بداعميها، وفى مقدمتهم أميركا، لرفضها. وأهم هذه المبادرات (المتشابهة) مبادرتي “السلام العربية”، والمبادرة الدولية “الاممية” التي تسمى بـ “حل الدولتين”.
بالنسبة لمبادرة السلام العربية، فقد أقرها مؤتمر القمة العربية، المنعقد في بيروت سنة 2002م، وأصلها مبادرة سعودية. وهي تهدف الى : انشاء دولة فلسطينية مستقلة ومعترف بها دوليا على حدود سنة 1967م. وتتضمن : التوصل لحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، ورفض كل أشكال التوطين الفلسطيني في البلدان العربية المضيفة، والانسحاب من هضبة الجولان، وكل الأراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967م وما بعده. وذلك مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل، وتطبيع العلاقات معها، وانهاء الصراع العربي – الإسرائيلي.
أما “حل الدولتين”، فهو مشابه لمضمون مبادرة السلام العربية. ويهدف لإقامة دولتين، على أرض فلسطين التاريخية، هما : دولة فلسطين ودولة اسرائيل. وهو مستمد من قراري مجلس الامن الدولي رقم 242 لعام 1967م. وأعتمد كمرجعية للمفاوضات الشهيرة التي جرت في أوسلو عام 1993م، بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، والتي تمخض عنها الاعتراف المتبادل بين هذين الطرفين. انه يعنى : اقامة دولة فلسطينية مستقلة ضمن حدود 1967م، أي على ما يعادل 23% من أرض فلسطين. هناك شبه اجماع دولي بأن على اسرائيل انهاء احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، وقبول قيام دولة فلسطين على هذه الأراضي التي تعتبر – دوليا – محتلة من قبل اسرائيل. ولكن، اسرائيل ترفض، وبخاصة اليمين الإسرائيلي، بشدة، مبادرة السلام العربية، وكذلك “حل الدولتين” الاممية. فهي ترفض بقوة اقامة دولة فلسطينية بجانب اسرائيل. وتعلن مرارا وتكرارا، وبوقاحة منقطعة النظير، رفضها للمبادرتين …لان كل منهما تستوجب قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وتتمسك القيادة الفلسطينية بـ “حل الدولتين”، ولكنها أعلنت صراحة، أنها لا تمانع في قبول “حل الدولة الواحدة”… شريطة أن تكون هناك مساواة بين كل مواطنيها، سوآءا كانوا يهودا أو فلسطينيين. ولكن إسرائيل ترفض، بشدة، “حل الدولتين”، سواء العربي أو الأممي، لرفضها قيام دولة فلسطينية مستقلة، يعيش فيها الشعب الفلسطيني الذي شرد، واحتلت أرضه. كما ترفض “حل الدولة الواحدة ” التي يعيش فيها اليهود والعرب كمواطنين متساوي الحقوق والواجبات…لأنها تريد اقامة دولة يهودية عنصرية خالصة، وعلى حساب شعب بأكمله.
يؤمل من الاطراف النزيهة في المجتمع الدولي، وفي مقدمتها هذا التحالف الدولي المشترك، انصاف الشعب الفلسطيني من هذا الظلم الصهيوني القاهر، وتمكين الشعب الفلسطيني، بعد هذه العقود من التشرد والمعاناة، من الحصول على الحد الادنى من حقوقه المشروعة في أرضه، والذي يتمثل في “حل الدولتين”، وقيام دولة فلسطينية مستقلة بعاصمتها القدس الشرقية على كامل الأراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967م، أو اقامة دولة ديمقراطية واحدة.

