الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

نظام عالمي متصهين وظالم …؟!

ما زال النظام العالمي الراهن (ذا القطب الواحد/ أمريكا) والذي يتغير الان إلى: نظام “الأقطاب المتعددة”، يجرع معظم  العرب، وغيرهم أيضا، قدرا كبيرا من المرارة. فقد يكون الأسوأ، بالنسبة لهم، حتى تاريخه. إن معظم ما نراه ونسمعه، ونلمسه من سياسات دولية راهنة، في عالمنا العربي، وغيره، هو من تداعيات، ونتائج، وتأثير “النظام العالمي” الراهن، وانفراد أميركا بصدارته. هذا الانفراد الذي بدأ يزول، وان تدريجيا. وها نحن على مشارف النظام العالمي القادم، “نظام الأقطاب المتعددة” (أمريكا، الصين، روسيا). ولا نعلم كيف سيكون العرب في ظله. لكنه سيكون أقل سوءا، من النظام الصهيوني القائم، في الغالب.
جعل النظام العالمي، طيلة تواجده، أمريكا (وإسرائيل) في عصرها الذهبي، الامر الذي يدفع الأمريكيين ليعملوا على إطالة فترته، لأقصى مدى ممكن. وكان ذلك أمرا مشروعا لهم، إن لم يضروا (ويظلموا) آخرين. فمن البديهي أن يحاول الأمريكيون إطالة أمد تسيدهم (وصدارتهم العالمية) عبر كافة السبل، وفى مقدمتها: تقوية الذات الأمريكية، والمحاولة الدؤوبة لإضعاف القوى الدولية المنافسة لهم، والتي تحاول بدورها الصعود إلى القمة العالمية…التي يقال دائما – وبحق – أن الوصول إليها أسهل من البقاء فيها.
ان “النظام العالمي” يتغير دائما، ولا يثبت على حال. وهو يتغير الان لعدة أسباب، أهمها : الضعف النسبي لأمريكا، ووجود دول كبرى… بدأت قوتها الاقتصادية والتقنية والعسكرية في التزايد…مما مكنها من الصعود- عنوة- الى قمة العالم، لتصبح دولا عظمى… تتنافس مع الولايات المتحدة على قمة العالم الاقتصادية – السياسية، رغم الرفض الأمريكي لهذا الواقع، ومقاومته. وهذه الدول هي : الصين، وروسيا، الى حد ما. ولا شك في استمرار أمريكا كدولة عظمى…لتكون القطب الأول، من عدة أقطاب، وليس قطبا منفردا بالصدارة وحده…؟! وهذا، في الواقع، هو ما يردده معظم خبراء وعلماء العلاقات الدولية الان.
****
ومعروف، أن العلاقات الدولية تشبه -الى حد كبير- العلاقات فيما بين الناس. فالدول يديرها بشر، لهم مشاعرهم، وتوجهاتهم، ومصالحهم. وفى العلاقات الدولية، كما هو في الحياة (على وجه العموم) غالبا ما تصبح “مصائب قوم عند قوم فوائد …وفوائد قوم، عند قوم، مصائب”… لذلك، كان نظام القطب الواحد (أمريكا) مفيدا لأمريكا، ومن تحالفهم بصدق، ومن يستفيدون من وجوده. وسيئا لمن تعاديهم، أو تستغلهم. وقد وصف هذا النظام، من قبل كثير من المراقبين السياسيين، ومنهم علماء سياسة أمريكيين، بأنه نظام يخلو من العدالة النسبية، ويتبنى سياسة إمبريالية، وذات معايير مزدوجة، وتهيمن الحركة الصهيونية على كثير من سياساته…؟!
لذلك، كان من مصلحة العرب (كأمة) أن يتحول المنتظم الدولي الراهن إلى نظام التعدد القطبي. إذ أن ذلك سيسهل التحلل من ربقة الأقطاب المعادية، والطامعة…عبر إمكانية الاستفادة (الحذرة) بالأقطاب الأخرى، في التصدي للمناورات المعروفة، المضرة بـ “المصلحة العربية العليا”. كان ذلك المنتظم “رديء”، بالنسبة للعرب، ولمن يكتوون بنيرانه، من غيرهم. ويطول بنا الحديث ان حاولنا استعراض ما حصل للعرب من كوارث، على يد النظام العالمي الحالي، منذ حوالي ثلاثة عقود ؟! أو ذكر أهم النتائج لسيادة هذا المنتظم، بالنسبة للعرب…؟!
ولعل من أسوأ ما حصل لهم هو حرب الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزة. اذ قوبلت مقاومة الاحتلال والاذلال بحملة صهيونية حربية شعواء، يقف العالم مذهولا أمامها، وتستمر لأشهر، ترتكب خلالها مجازر ضد سكان غزة، لم يشهد التاريخ الحديث مثيلا لفظاعتها وبشاعتها. فحتى كتابة هذه السطور، قتلت إسرائيل حوالي 40 ألف فلسطيني، منهم حوالي 25 ألفا من الأطفال والنساء. وجرحت حوالي 100 ألف من المدنيين العزل. كما دمرت البيوت والمستشفيات والمدارس والطرق، التي أصبحت كأن قنبلة نووية قد ألقيت عليها، فصارت غير قابلة للسكن الادمي.
ماذا فعل النظام العالمي القائم؟! هب رأسه لزيارة إسرائيل، للاطمئنان على سلامتها. ولم ينس أن يحضر معه المزيد من الأسلحة الامريكية، لمساعدة إسرائيل في ارتكاب جريمتها الكبرى هذه. ثم بدأوا ، يدعمون الكيان الصهيوني، ويحاولون، التغطية على جرائمه… رغم رفض معظم العالم، بما فيه نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي، لهذه الإبادة الجماعية.
****
يقول الجنرال الصيني “جينج جيا نفينج” : “من يشاهد ما حدث في أفغانستان، ثم العراق، والان في أوكرانيا وغزة، يدرك أن كل هذه الازمات والصراعات هي نتيجة للمعايير المزدوجة التي تنتهجها الولايات المتحدة. لقد أثبتت الحقائق أن الولايات المتحدة هي المصدر الأكبر للفوضى في النظام الدولي”.
وعندما نحاول تلخيص أبرز ملامح السياسة الامريكية تجاه ما تسميه الشرق الأوسط، نجد أن أمريكا قد “كسبت” عدم ود معظم شعوب هذه المنطقة، بسبب ما تتسم به سياساتها من ازدواجية مقيتة. الصين الصاعدة لم تجرب بعد، وليس لها تاريخ استعماري يذكر، حال القوى الدولية الغربية الأخرى. وأمامها الان عالم لتكسب ثقته، ووده، وترحيبه، ان هي اتبعت سياسات عادلة، ونزيهةـ تجاه المنطقة، وغيرها…سياسات معاكسة للسياسات الامريكية والغربية نحو المنطقة، والتي اتسمت، في العقود السبعة الماضية بخاصة، بسمات، أقل ما يقال عنها أنها “عدائية”، واستغلالية، وانتهازية، رغم أن أمريكا، باعتبارها صاحبة أكبر “نفوذ” عالمي، كانت تستطيع عمل الكثير والكثير لصالح الامن والسلم الدوليين الإقليميين، خــاصــة لو اتبعـــت سياسات تخدم المصالح المشتركة، لا مصلحتها، ومصلحة إسرائيل فقط، كما تفعل غالبا. فمعروف، أن سياسة أمريكا نحو المنطقة العربية بخاصة، اتسمت بصفات سلبية، من أهمها الادعاء بحماية مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، رغم سعيها لمحاربة هذه المبادئ بالمنطقة، صراحة وضمنا، عبر ازدواجية المعايير التي تتبعها بالمنطقة. إضافة الى أنه كثيرا ما يتم ضرب الاطراف ببعضها، لتطويل أمد الصراعات، والإصرار على عدم حلها.
ويظل أسوأ ما يلاحظ على هذه السياسة، هو انحيازها الأعمى لإسرائيل…هذا الكيان الإرهابي، الذي يرتكب احدى أكبر جرائم العصر، باحتلال فلسطين، والتنكيل بشعبها. حيث تهدف أمريكا لتحقيق أهداف اسرائيل أولا…حتى وان تناقضت مع مصلحة أمريكا نفسها. وامريكا تستخدم هذا الكيان، كقاعدة معادية متقدمة، هدفها تحقيق المطامع الصهيونية، وأهدافها الإمبريالية. وبسبب هذا التحالف الصهيوني- الاستعماري نجد ان معظم ما يحدث بالمنطقة العربية هو ما تريده اسرائيل، وتخطط لحصوله، ويصب لصالحها، ولو على حساب الحقوق العربية والفلسطينية بخاصة، ومنطق الحق والعدالة والإنسانية، والقانون. ودون أدنى اكتراث بما يسميه بعض الساسة الأمريكيين بـ “الصداقة الأمريكية- العربية”. أي صداقة هذه؟!

 

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *