الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

“العطاء وإهمال الذات” تجربة شخصية في مواجهة الجحود

تقول إحداهن: كنت دائماً أؤمن بأن العطاء هو أحد أجمل الصفات التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان، كنت أسعى دوماً لمساعدة من حولي، أضحي بوقتي وجهدي لأجل الآخرين، آملةً في أن أكون سبباً في سعادتهم وراحتهم، لكن لم أكن أدرك أن هذا العطاء قد يترك جروحاً عميقة في نفسي عندما يُقابل بالجحود والنكران.

بدأت رحلتي مع العطاء في سن مبكرة، كنت أشعر بالسعادة والرضا عندما أرى الابتسامة على وجوه من أساعدهم، كنت أعتقد أن العطاء بلا مقابل هو أعلى درجات الإنسانية، كنت أملأ حياتي بمساعدة الأصدقاء والعائلة، وأضع احتياجاتهم فوق احتياجاتي الشخصية، كان ذلك يمنحني شعوراً بالرضا والإنجاز.

مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ أن ردود الفعل على عطائي لم تكن كما توقعت، بدلاً من الشكر والتقدير، كنت أواجه أحياناً بالجحود والنكران، كانوا يأخذون ما أقدمه دون أن يشعروا بالحاجة لرد الجميل، وكأن ما أفعله هو واجب عليّ وليس فضلاً مني، كنت أشعر بخيبة أمل كبيرة، وأتساءل لماذا لا يقدرون ما أفعله من أجلهم؟!.

كنت أصغي لها باهتمام، وهي تردفُ قائلةً: ما كان يجرحني أكثر هو أن هذا الجحود لم يأتِ من الغرباء فقط، بل من أقرب الناس إليّ، كنت أعتقد أن العائلة والأصدقاء المقربين سيكونون الأكثر تفهماً وتقديراً، لكنهم كانوا يتصرفون وكأن عطائي أمر مفروغ منه، كانوا يطلبون المزيد دون أن يفكروا في ما أحتاجه أنا، كان ذلك يحطم قلبي ببطء..

بدأت أشعر بأنني أُستنزف عاطفياً، كنت أعطي بلا حدود حتى لم يعد لدي ما أعطيه، أصبح شعوري بالقيمة الذاتية يتضاءل شيئاً فشيئاً، كنت أرى نفسي كمصدر دائم للعطاء دون أن أحظى بأي تقدير أو شكر، شعرت بأنني بلا قيمة، وأن كل ما أفعله لا يُحدث فرقاً..

في لحظة من التأمل، أدركت أنني بحاجة لتغيير طريقة تعاملي مع العطاء، فهمت أن العطاء يجب أن يكون متوازناً، ويجب أن أهتم بنفسي كما أهتم بالآخرين، وأن أتعلم كيف أقول “لا” عندما أشعر أن عطائي قد يؤثر سلباً على صحتي النفسية، لا بد أن أعتني بنفسي وأمنحها الأولوية التي تستحقها.

سكتت للحظة أطلقت خلالها آهةً تدل على شعورٍ عميقٍ بالقهر، ثم أكملت حديثها قائلةً: اليوم ما زلت أؤمن بأن العطاء هو أحد أجمل الصفات التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان، لكنني تعلمت أن العطاء الحقيقي يبدأ من النفس، تعلمت أن أكون سخيةً بحب، ولكن بحكمة كذلك، أن أضع حدوداً تحمي نفسي وتساعدني على الاستمرار في العطاء دون أن أخسر ذاتي، فبالحب والتوازن أستطيع أن أعطي بلا حدود، وأحافظ في الوقت نفسه على سلامي الداخلي.

تألقت عيناها كمن أدرك سبب انهزامه، فغدا يتلافى أخطاءه ويعد نفسه بشكل أفضل لمعاركه القادمة، وختمت حديثها، بقولها: هذه تجربتي، وهذه دروسي، العطاء جميل، لكن يجب أن يكون متوازناً ولا يأتي على حساب الذات، علينا أن نتعلم كيف نحب الآخرين دون أن ننسى حب أنفسنا.

أ. دلال راضي

أ. دلال راضي

43 مقالة
منضم منذ 22 ديسمبر 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *