تلبيةً لنداء قديم وعظيم، صدح به أبو الأنبياء الخليل إبراهيم عليه السلام (وأذن في الناس بالحج) تنطلق رحلة الحج كل عام، فتتحرك القلوب باتجاه بيت الله الحرام، نابضة بالحب وعامرة بالحنين، فتبدأ الأقدام في خطى هذه العبادة العظيمة، وهي خطى تجمع بين الحب وطلب القرب، تحدوها أهداف يتوحد عليها الحجيج من كل بقاع الأرض، فهم مختلفون في أعراقهم ولغاتهم، ولكنهم متحدون في إيمانهم وحبهم لله وحنينهم لهذه المشاعر، إنها رحلة مقدسة يتخطى فيها الإنسان حدود الذات ويمارس الانغماس في روحانية تتغلغل في أعماق وجدانه، وتحمله إلى عالم آخر من الصفاء والسلام.
ففي رحاب المشاعر المقدسة التي تهفو إليها القلوب، تتجرد النفوس من كل زيف، فتغمرها السكينة والطمأنينة، وتتعانق الأرواح بتوحد الأمنيات، فالكل يرجو الرحمة والمغفرة، ويا له من مشهد تذوب فيه الألوان واللغات في بوتقة الإيمان، وتتعالى الهتافات:“لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك،
إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك“، وفي سعي عظيم بين الصفا والمروة تتردد أصداء الدعاء، وتتجلى العزائم والهمم، وفي عرفات حيث الوقوف بين يدي الرحمن، تعانق الأرض السماء، وتشرئب القلوب لمغفرة تتساقط بها الذنوب، ومع رمي الجمار ترمى الأحقاد، وتُسحق الشياطين، وعند الحلق أو التقصير تكتمل خطوات التحرر من ماضٍ ربما كان مثقلًا بالعناء ومكبلًا بالأهواء، معلنة ميلادًا جديدًا، وبدايات نقية مشرقة.
هكذا الحج، رحلة الروح نحو النقاء، ومسيرة الجسد في دروب التواضع والإنسانية، فبه تتوحد الملابس والشعائر والأهداف والخطوات وتزول الفوارق والامتيازات، فتتجلى معاني المساواة والعدالة والإخاء، فتسقيم النفوس، وتشحذ الأذهان، وتدرك الأفهام أسمى المعاني التي التي يحملها ركن الحج العظيم، فيرجع المسلم من رحلة الحاج وهو يتطلع لحياة هانئة تملؤها العبادة والسعادة.
