يعتبر التواصل الاجتماعي جزءًا أساسياً من حياتنا اليومية، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ناهيك عن كون مجتماعتنا العربية من أكثر المجتمعات تواصلًا واتصالًا، فلنا علاقات راسخة ومتجذرة مع الآخرين، منها العلاقات مع الأصدقاء ومع زملاء العمل أو الدراسة وغيرها، بل أن الواحد منا قد يكون علاقة ودية تبقى لسنوات مع شخص تعرف به عندما كانا في مقعدين متجاورين في الطائرة أو الحافلة أو القطار، أو حتى في صالة الانتظار في المطار أو المشفى وغيره، كما أن هناك علاقات متينة ودائمة مع أقربائنا وجيراننا وهي علاقة يؤكد على أهميتها ديننا الحنيف ويجعلها حقوق لنا وعلينا تجاههم، ولها ثواب وعقاب، فالواجب إكرام الجار وصلة الأرحام، إضافة إلى كل هذا فإن ديننا الحنيف يجعل للمؤمن على المؤمن حقوق هي في مجملها تعزيز للعلاقات الاجتماعية وسبل للتعارف والتواصل، ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال:(حق المسلم على المسلم ست : إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه).
ولكن لو تأملنا في واقع تواصلنا وتعارفنا في الوقت الراهن نجد أن هناك الكثير من المعوقات والتغيرات التي طرأت على طرق وأساليب تواصلنا وحدت منه بشكل كبير، ولعل من أبرز هذه المعوقات والمؤثرات السلبية الاعتماد الزائد على وسائل التواصل الاجتماعي في الشبكة العنكبوتية، حيث تعد إحدى العوائق الرئيسية للتواصل الحقيقي في المجتمع ، حيث أدى الانخراط المستمر في منصات التواصل إلى تقليل اللقاءات الوجهية والمحادثات الحقيقية بين الأفراد، وخاصة مع استخدام الاتصال عبر الفيديو، إضافة إلى ذلك حالة الانعزال والانشغال الذي فرضه الأنترنت بشكل عام ووسائل التواصل بشكل خاص، حيث صار أغلبنا يقضي وقتًا طويلاً في التفاعل داخل المجتمعات الافتراضية، مما قلل من فرص التواصل الاجتماعي الواقعي واللقاءات الاجتماعية التقليدية.
إضافة إلى ذلك نجد أن الكثيرين منا يعيشون حياة مزدحمة بالمسؤوليات والمهام، مما يجعل من الصعب تخصيص وقت للقاءات العائلية والاجتماعية، فالانشغال بالعمل أو الدراسة على سبيل المثال صار في وقتنا الراهن يرافقه انشغال ذهني يرافقنا طوال الوقت مما يقلل فرص أداء الالتزامات الاجتماعية الأخرى، فالانشغال بالأمور الشخصية والمهنية قد يؤثر على الوقت المخصص للقاءات العائلية، ناهيك عن تخصيص لقاءات اجتماعية منتظمة مع الآخرين.
بالإضافة إلى أن أسلوب الحياة المعاصرة خلق بعض الفوارق الاقتصادية التي ترافقها بعض العادات السيئة، مثل شراء ملابس جديدة للقاءات والمناسبات والحفلات، الأمر الذي يرهق كاهل بعض الأشخاص والعائلات، وبالتالي يدفعهم إلى تجنب حضور هذه اللقاءات الاجتماعية، ومن ثم يؤدي إلى تقليص التواصل والتعارف الاجتماعي، كما أن الفوارق الثقافية تلعب دورًا كذلك في الحد من التواصل الاجتماعي، حيث صارت المناسبات والفعاليات الثقافية مقصورة على نخب محددة، كما إن الفوارق بين الأجيال كذلك لها دورها في تقليص هذا التواصل، فقد أصبح هناك بون شاسع بين ثقافة واهتمامات الأجداد وثقافة واهتمامات الأحفاد داخل الأسرة الواحدة ناهيك عن المجتمع ككل، بالإضافة إلى فوارق معرفية وفوارق في العادات والاهتمامات بين سكان المدن وسكان البادية، وكل هذه التباينات تعد من معوقات التواصل الاجتماعي الواقعي، لكن لا يرقى تأثيرها إلى مستوى التأثير السلبي للتواصل الاجتماعي الافتراضي.
من خلال ما سبق أرى أنه من الجدير بنا أن نكون حذرين ومتوازنين في استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي الافتراضي، ومهما وجدنا الكثير من الفوائد والآثار الإيجابية لهذه الوسائل عند استخدامها بشكل صحيح، إلا أنه من الواجب أن لا نسمح لها بالحلول محل تواصلنا الاجتماعي الواقعي، فاللقاءات الاجتماعية والعائلية الوجهية الواقعية ضرورية للحفاظ على الروابط العائلية والاجتماعية بشكل عام، فاللقاءات الافتراضية مهما تقدمت التقنية تبقى لقاءات عابرة وهشة، وتفتقر إلى الكثير من ملامح عاداتنا وتقاليدنا، ولا تستطيع أن تترك الأثر والتأثير الذي تتركه لقاءاتنا الواقعية.
