بقلم✍️ دلال كمال راضي
الفراغ العاطفي هو حالة تصيب الإنسان عندما يشعر بنقص في الاتصال العاطفي مع الآخرين. يمكن أن يكون هذا النقص نتيجة للعديد من الأسباب، فعلى سبيل المثال عند فقدان الإنسان لشخص يحبه بطريقة صادمة، فإنه نتيجة الألم المكبوت يولد العقل الباطن استجابة بالنفور من أي توجه عاطفي، فيتولد لدى الشخص فراغ عاطفي يعزز لديه الشعور بالوحدة والعزلة فيفقد تدريجيا الاتصال الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين، أو أنه قد يتجه لملء فراغه العاطفي بأي طريقة، كما أن انشغال الإنسان بشكل كبير إضافة إلى الإجهاد الذهني الذي قد يعاني منه نتيجة ذلك الانشغال، قد يؤدي إلى عزله عن جانبه الوجداني العاطفي مجمدا مشاعره وشعوره فيصبح لديه فراغا عاطفيا، قد تنعكس ملامحه على من حوله فيصبح تعامله معهم تعاملا رسميا جافا وربما قاسيا أو ماديا صرفا، ما يولد لديهم فراغا عاطفيا كذلك، ومع مرور الوقت يصبح من الصعب تجاوز هذا الفراغ العاطفي والعودة إلى الحياة الطبيعية، كما عدم توافر علاقات اجتماعية صادقة ومتينة كالعلاقة مع الأقارب أو الأصدقاء، قد يولد كذلك الشعور بالفراغ العاطفي وما له من تداعيات سلبية على الفرد والمجتمع ككل.
إن الفراغ العاطفي قد يتجلى بمظاهر متعددة ومختلفة من حيث الأسباب والمسببات، ولعل ما يهمنا هو الفراغ العاطفي الذي قد يصيب بعض أفراد الأسرة نتيجة لوجود فجوة عاطفية تتسع بينهم، فعلى سبيل المثال قد لا يتشبع الأبناء عاطفيا بحب الآباء، نتيجة لانشغال الوالدين أو أحدهما وعدم الاهتمام من قبلهما بهذا الجانب وخاصة الأب، فبعض الآباء يكون الواحد منهم مشغولا على الدوام ومنهم من يقضي أغلب وقته خارج المنزل، وبالتالي يكون تعاملهم مع أبنائهم تعاملا سطحيا أو تعاملا قاسيا أو عابرا في مواقف محددة وخاليا من أي عاطفة، فلا توجد قنوات تواصل مفتوحة دائما وسلسة وخالية من أي تعقيدات أو رسميات بين الآباء والأبناء، ما يولد لدى الأبناء عدم الثقة بالنفس والشعور بالنقص وبالتالي فراغا عاطفيا قد يدفعهم نحو الانحراف والفشل والتقوقع على ذواتهم أو تعاطي الممنوعات هربا من هذا الواقع، أو قد يقودهم الفراغ العاطفي إلى التعويض باللجوء إلى رفقاء السوء أو قد يتلقفهم أصحاب الأفكار الضالة ببعض الاهتمام والحب الزائف فيغسلون أدمغتهم بأفكارهم الهدامة ويقودونهم نحو الإضرار بأنفسهم وبالمجتمع بشكل عام، وليس هذا مقصورا على الذكور فقط فحتى البنات قد يقودهن الفراغ العاطفي إلى التحلل من القيم والأخلاق، وربما إلى الانحراف فالبنت التي لا تجد الحب والاهتمام داخل البيت قد تبحث عنهما خارجه، خاصة مع توافر وسائل التواصل التي تجعل مثل هذه الأمور سهلة المنال وفي متناول من يبحث عنها، ناهيك عن وجود بعض الذئاب البشرية المستعدة للإيقاع بأي ضحية تلوح لهم.
كما أن عدم التفاهم والانسجام بين الزوجين وغياب مقومات الحياة الزوجية المستقرة القائمة على المودة والرحمة، أو انشغال أحد الأبوين أو كليهما بالعمل أو الأصدقاء وغير ذلك، قد يولد الشعور بالفراغ العاطفي لدى أحدهما أو كليهما، ومع مرور الوقت تزداد التباينات بينهما وتتعاظم المشاكل الأسرية، وينعكس ذلك على الأبناء ويؤدي إلى ضياعهم، وقد يفضي إلى الطلاق وتدمير الأسرة، خالقا ظواهرا اجتماعية سلبية، تخلخل بنية المجتمع وتقطع روابطه.
من خلال ما سبق يتضح جليا معنى الفراغ العاطفي داخل الأسرة والذي أردت توضيح معالمه وأسبابه وتداعياته، حتى نستطيع وقاية وتحصين أنفسنا وأبنائنا ضده، لذلك أقول للجميع حصنوا أسركم بالحب، بداية بالحب بين الزوجين ثم الحب بينهما وأولادهما، ثم حب الأولاد لبعضهم، وإذا سألتم كيف فأقول لكم: الحب بكل بساطة اهتمام دائم وكلمة طيبة وتعامل صادق، فلا تتحرجوا أو تأجلوا أو تقللوا من أهمية إظهار حبكم وحنانكم لأفراد أسرتكم، وأخص الآباء لكونهم الأكثر انشغالا وغيابا وأقول لهم لا تتوقفوا عن كلمات الإطراء والتشجيع والاهتمام والحب لزوجاتكم وأبنائكم وبناتكم، اشبعوهم منها، وتأكدوا أنهم لن يبحثوا عنها عند غيركم وإذا سمعوها من أي خبيث ستكون بلا قيمة ولن تنال منهم لأنهم ألفوها منكم وشبعوا وتشبعوا بها فلا يحتاجونها من غيركم.
