صحيفة عصف الأخبارية
نبحر معاً... في سماء الكلمة والخبر..

تحيا جمهورية جنوب أفريقيا …؟!

بقلم د . صدقه يحيى فاضــــــــــل

ليسمح لي القراء الاكارم، وهيئة تحرير العزيزة “عصف الأخبارية”، أن أكتب عنوان مقال هذا الاسبوع محيا جمهورية جنوب أفريقيا الفتية… تحية خالصة لها، بعد أن سجلت اسمها، من جديد، بمداد من ذهب في تاريخ الحرية، والحدب على الانسانية، والحرص على دعم حقوق الانسان، وكرامته، ليس بأفريقيا وحسب، بل وفي كل مكان وزمان. انها لحظة لاستيقاظ الضمير العالمي، أو أغلبه، لنصرة الحق والعدل، وحماية الحد الادنى من حقوق الانسانية.
لقد انتفضت احدى أبرز أطراف المجتمع الدولي، مبادرة بتقديم دعوة قضائية، ضد واحدة من أبشع الجرائم التي تمارس ضد البشر… جريمة “الابادة الجماعية”، التي يرتكبها الكيان الصهيوني المحتل، ضد شعب أعزل، يعاني من الاحتلال الصهيوني مر الامرين. وهنا نجد أن مقولة “في النهاية، لا يصح الا الصحيح” كثيرا ما تتحقق، وتكون صحيحة، طال الزمن، أم قصر. فطرفي الدعوة القضائية الرئيسين كانا، ذات يوم، من أقرب الحلفاء لبعضهما… عندما كانت دولة جنوب افريقيا دولة عنصرية، يحكمهاـ ويهيمن على مقدراتها، قلة استعمارية بيضاء، لا يعترف بها الا الدول الاستعمارية، واسرائيل… ذلك التحالف الصهيوني- العنصري (القذر) أكد المثل العربي الشهير “ان الطيور على أشكالها تقع”، والذي وصل الى ذروته، لحد التعاون لإنتاج أسلحة نووية، وتزويد اسرائيل لحكومة الفصل العنصري الجنوب أفريقي بالأسلحة، والذخائر، التي تقتل بها عناصر المقاومة الوطنية الجنوب أفريقية الباسلة، التي نجحت، في نهاية الامر، بقيادة الزعيم الافريقي- العالمي الشهير “نيلسون مانديلا”، في تصحيح الوضع، وطرد القلة الاستعمارية العنصرية الغاصبة، واستعادة السلطة للأفارقة، اهل البلاد الاصليين. ولا ننسى أن “جان سموتس” (J. Smuts, 1870-1950) مؤسس النظام العنصري في جنوب افريقيا، هــــو صــــــديق مقرب لـ “ثيودور هرتزل” مؤسس الحركة الصهيونية.
****
ظهرت دولة جنوب افريقيا، (تقع في أقصى جنوب القارة الافريقية، وعدد سكانها حوالي 50 مليون نسمة، ومساحتها 1,221,037 كيلو متر مربع) بعد نيلها “الاستقلال” عن بريطانيا عام 1934م . ولكنها قامت كدولة فصل عنصري، تحكمها القلة البيضاء الدخيلة، التي كانت تعتبر المواطنين الملونين، كمواطنين من أدنى درجة. وتحت ضغط المقاومة الوطنية الافريقية الباسلة، ومقاومة بقية سكان القارة الأفريقية، والمجتمع الدولي، أجبرت القلة البيضاء على التخلي عن احتكار السلطة في الجمهورية، بدءا من العام 1993م، وحتى اكتمال التحول الى الديمقراطية، بموجب دستور سنة 1996م، والذي دخل حيز النفاذ التام عام 1999م.
وتصديقا للمثل العربي، أن “الطيور على أشكالها تقع”، قامت بين حكومة الفصل العنصري بجنوب أفريقيا والكيان الصهيوني علاقات وثيقة، تضمنت التعاون في كل المجالات، بما في ذلك المجال العسكري والنووي. بما أن الكيان الصهيوني يقوم على العنصرية البغيضة، ويمارس أبشع مظاهر هذه العنصرية، ضد أهل البلاد الاصليين، الفلسطينيين. ومن ذلك : التنكيل، وحروب الابادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني، بدعم مطلق من أنصاره، ضد الشعب العربي الفلسطيني، على مدار ثمانية عقود.
****
ولا تنطلق دعوة حكومة جنوب أفريقيا الشرعية من منطلق انتقامي، بقدر ما تنطلق من رفض للعدوان، وحب للسلام، ورفض لكسر حقوق الانسان، وحرص على حريته، وأمنه، وحقه في الحياة الكريمة، واعتبار ابادته جريمة كبرى. ومعروف، أن هناك اتفاقية منع الابادة الجماعية الدولية، التي أقرت عام 1948م، ودخلت حيز النفاذ عام 1951م. وأصبحت جزءا لا يتجزأ من القانون الدولي، وتتم المحاكمة بناء عليها. وهي تعتبر الإبادة الجماعية جريمة بشعة، وتتعهد بمنعها، والمعاقبة عليها. ومعروف، أن محكمة العدل الدولية هي الذراع القانوني للأمم المتحدة. واختصاصاتها تتركز في تسوية المنازعات فيما بين الدول، التي تلجأ للتقاضي اليها. وقرارها ملزم عندئذ للطرفين، وقد يتطلب تنفيذه اللجوء الى مجلس الامن الدولي.
****
قال مسؤول جنوب أفريقي أن أكثر من 60 دولة، أعربت عن دعمها لقضيتها في محكمة العدل الدولية. وبالنسبة للصين وروسيا، عقد مؤتمر قمة (عن بعد) لدول البريكس، والدول التي قد تنضم للبريكس قريبا، وصدر بيان ختامي ، يدعم دعوة جنوب أفريقيا، ويطالب بوقف فوري لإطلاق النار في غزة. وبالنسبة لمصير الدعوة، غالبا ما ستصدر المحكمة قرارا نهائيا يدين إسرائيل. وسترفضه الأخيرة، فيحول الى مجلس الامن الدولي. وهناك ستتصدى له أميركا باستخدام “الفيتو”. ولا يتوقع أن تساوم أمريكا على هذا القرار، كأن تحاول تخفيف وقعه، مقابل عدم استخدام الفيتو، بسبب كونها في سنة انتخابات، تحابي خلالها إسرائيل، وتتحكم فيها الصهيونية البغيضة أكثر من الأوقات الأخرى.
ورغم كل ذلك، فان عملية طوفان الأقصى، التي شنت يوم 7 أكتوبر 2023م، قد حققت، ولأول مرة، نجاحا نوعيا، تمثل في كشف حقيقة العدوان الصهيوني، وحقيقة ما ترتكبه إسرائيل من جرائم ضد الفلسطينيين. وبالتالي، أسفر ذلك عن تزايد تعاطف كثير من شعوب العالم مع الفلسطينيين، ودعم لإقامة دولتهم المستقلة.
****
أما الموقف العربي والاسلامي، تجاه هذا التحرك الافريقي الودي والنبيل، فما زال أقل مما كان يجب عمله. توقع بعض المراقبين أن يبادر العرب والمسلمين، وبشكل جماعي، لدعم دعوة جنوب أفريقيا، والمطالبة باتخاذ اجراء منصف، ضد إسرائيل، ومن ورائها داعمها الرئيس الغرب الاستعماري. وخاب ذلك التوقع. رغم أن الاحداث الأخيرة بالمنطقة، وتفاقم العدوان الصهيوني على الفلسطينيين والعرب، ممثلا في حرب الإبادة الجماعية الراهنة على سكان غزة، وانكشاف خيوط وعناصر “المؤامرة الكبرى”، التي يحيكها التحالف الصهيوني- الاستعماري، ضد كل الامة العربية، وتعري أهداف هذا التحالف، كلها أمور يجب أن تدفع الضحايا المستهدفين للنهوض، واتخاذ رد الفعل المناسب، ضمانا للبقاء والامن، قبل استعصاء النجاة. لكن معظم العالم العربي ما زال مريضا سياسيا. ولهذا يتعرض لما يتعرض اليه من اعتداءات، واستخفاف بحقوقه. وقد شخص المرض، وحدد العلاج. لا يبقى سوى تناول الدواء الناجع، وفي أقرب فرصة ممكنة، وقبل فوات الاوان.
وختاما، سلام على “جمهورية جنوب افريقيا”، يوم تحررت، وفي أي وقت تناصر فيه – كعادتها- الحق، والعدل، في أي مكان في هذا العالم، الظالم معظم أهله.
************************************************

Print Friendly, PDF & Email

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تعليقات