الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

“الصوم من منظور نفسي” ؟!

بقلم✍️ دلال كمال راضي

إن المتأمل في معاني الصوم يدرك أنه ما من عبادة يظهر من خلالها معنى الإخلاص واضحاً جلياً مثل عبادة الصوم، فالصوم جهاد صامت للنفس يقمع شهوتها ويقيد رغائبها، في حين أنه لا رقيب عليه إلا الله تبارك وتعالى، لذلك فهو يشحن النفس بطاقة إيمانية قوية قد تكفي لعام كامل كما في الحديث ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)،

وحين  فرض الله عز وجل الصيام بقوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) فقد علل فرض الصيام في نهاية الآية بقوله: (لعلكم تتقون)، لذلك فالصيام مدرسة تتربى فيها النفس على قوة الإرادة والصبر عن الشهوات المباحة والميسورة. 

كما أن للصوم معانياً لا تنضب وأبعاداً اجتماعية وصحية ونفسية متعددة ومتجددة، فمجرد وعي الإنسان بفكرة الصوم وتطبيقها عملياً يعكس على نفسيته آثاراً إيجابية عظيمة منها الشعور بالزهو بالانتصار على الرغبات والشهوات كثمرة لقوة الإرادة والقدرة على الصبر والمقاومة، وكذلك القدرة على كسر روتين الحياة اليومية والتغلب على الملل والخروج من دائرة الرتابة، فالشعور برتابة الحياة اليومية والإصابة بالملل نتيجة ذلك يكاد يكون شكوى أغلب الناس في وقتنا الحاضر، وما من حل لهذه المعاناة مثل شهر رمضان حيث تتغير فيه أغلب مظاهر الحياة اليومية أما من حيث المضمون أو من حيث التوقيت، فمواعيد العمل ومواعيد الوجبات وأنواعها، وكذلك متطلبات المعيشة، وحركة الناس وأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية جميعها يطرأ عليها الكثير من التعديل والتغيير والتطوير، ما يعني إجازة واستراحة من الروتين الممل لحياتنا اليومية في غير رمضان، وهذا شيء عظيم يستحق التأمل في معانيه والوعي بفوائده كي نحقق فيه أكبر قدر من الراحة النفسية فيكون رمضان كاستراحة محارب نلتقط فيها أنفاسنا وكمحطة للتزود بالقوة والعزيمة للانطلاق من جديد نحو العمل والبناء والإبداع والتقدم. 

إن فلسفة الصوم واسعة الأبعاد النفسية، فالصوم من منظروها النفسي تتجلى إشراقاته وتنكشف أسراره كلما طغت الحياة المادية وتطورت ملامحها وتعددت معطياتها، حيث يغدو الإنسان أكثر جرياً وراء متطلباتها وأكثر إنهاكا من تعقيداتها وضوضائها وزحامها، فيتوه في تشعباتها ويفقد سمو روحه وراحة باله وطمأنينة نفسه، ومهما كانت نجاحاته في الجانب المادي إلا أن إخفاقاته في الجانب الروحي هي التي تقض مضجعه وتفقده سكونه وسكينته وتشعره بعدم الاستقرار والراحة، لذلك فرض الصوم ليكون حافزاً على إثارة الطاقات النفسية لإصلاح الخلل الحاصل من ضغوط الحياة المادية، وبالتالي تحسن الحالة النفسية والتي تنعكس على شخصية الفرد بمجملها تهذيباً وهدوءاً واتزاناً وسعادةً، الأمر الذي يُترجم برقي الفرد في عمله وتعامله. 

كما أن للصوم كذلك دوراً مؤثراً في تقويم سلوك الإنسان وتخليصه من سيطرة الفوضى واللانظام، فالصوم برنامج ينظم سلوك الإنسان بحيث يجبره على ترتيب بعض احتياجاته والانضباط في القيام بها ضمن جدول زمني محدد وبمشاركة الآخرين غالباً، فعلى سبيل المثال للفطور وقته المحدد وللسحور وقته كذلك، ولصلاة التروايح وقتها وللقيام وقته، ومن ناحية أخرى ليس أمامه سوى ترتيب أولوياته لاستغلال الوقت المقيد من آذان المغرب إلى آذان الفجر لتلبية رغباته المباحة والمتاحة، ما يعلمه قيمة الوقت وأهمية النظام لاستغلاله الاستغلال الأمثل. 

إن المعاني النفسية والسلوكية للصيام كثيرة ولا تكاد تحصر فلا توجد عبادة مثل الصوم من حيث الارتباط بجوانب الحياة المختلفة، وهو ارتباط لا يزال بحاجة للكثير من التأمل والدراسة، كما أن الصائم نفسه هو من يستطيع التعبير الأمثل عن حالته النفسية أثناء الصيام وخاصة في شهر رمضان، وهو ما يفصح عنه الكثيرون في فرحتهم بقدومه من خلال تبادل التهاني وغيره، ما يعني أن هناك دوافع نفسية شعورية تدرك أنه موسم للسكينة والطمأنينة والسعادة كما هو موسم للخير والطاعات والعبادات. 

أ. دلال راضي

أ. دلال راضي

43 مقالة
منضم منذ 22 ديسمبر 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *