إضافة لتسبب حرب روسيا على أوكرانيا، ورد الفعل الغربي المغرض، في تعريض العالم لاحتمال نشوب حرب عالمية ثالثة، نتج عن هذه الحرب عدة تداعيات خطيرة، منها : فرض عقوبات اقتصادية، ومالية، غربية هائلة على روسيا. ومن ذلك : حظر امدادات الطاقة (نفط، غاز) الروسية الى القارة العجوز. اذ مثل وقف هذه الامدادات تطورا خطيرا، وتصعيدا حادا، في الصراع الغربي -الروسي، في أوكرانيا. واضطرت موسكو لوقف امدادات الغاز الروسي الى معظم عملائها الاوربيين، نتيجة رفض هؤلاء العملاء سداد الثمن بالعملة الروسية (الروبل). كما ثبت أن أمريكا قامت، في عملية تخريبية، بتدمير خط “نورد ستريم”، الذي كان يضخ النفط والغاز الروسي الى أوروبا. ومعروف، أن معظم دول أوروبا تعتمد بشكل شبه تام، على امدادات الطاقة الروسية، الأقرب، والانسب، لاحتياجاتها، وتشغيل نشاطها الاقتصادي، بكل تفرعاته. ولا شك أن أوروبا فعلت ذلك استجابة للضغوط الامريكية، بصفة رئيسة. حيث أعلنت حظرا كاملا على استيراد النفط الروسي، بنهاية العام 2023م.؟! مضحية بمستقبلها الاقتصادي، ومندفعة الى “مصادر” أخرى للطاقة، هي، بدون شك، أغلى ثمنا، وأصعب منالا.
وكان لروسيا رد فعل حاد على هذه المقاطعة. اذ وقع الرئيس فلاديمير بوتن، في مارس 2023م، مرسوما يقضى بضرورة أن يتم دفع ثمن الامدادات المصدرة لـ ” الدول غير الصديقة” (ومن ضمنها دول الاتحاد الأوربي، وعددها الان 27 دولة) بالعملة الروسية. وهذا الشرط لم يكن صعبا على الأوروبيين، وهم الذين بادروا، تحت التوجيهات الامريكية، بفرض حزم متتابعة من العقوبات الغربية، ومن ذلك : وقف الاعتماد على النفط الروسي بنهاية هذا العام … بهدف تصعيد الضغط على روسيا، ولإخضاعها للتفاوض من أجل وقف الحرب على أوكرانيا، دون شروط مسبقة.
لكن، يبدو أن هذه الضغوط (الاوروبية -الامريكية) ترتد على الغرب، وتضر به، أكثر من اضرارها باقتصاد روسيا. فهي تثير الخلافات فيما بين الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي، في وقت هي أحوج فيه للوحدة، والتكاتف. وذلك بسبب تفاقم هذه التبعية الاوروبية المهينة لأمريكا، وبسبب حرمان أوروبا من مصدر الطاقة الرئيس، والانسب، لها. الامر الذي أثر بالسلب على اقتصاداتها، وعلى مستويات المعيشة فيها. ومعروف، ان امدادات الغاز الروسي شكلت أكثر من 40% من احتياجات الاتحاد الاوروبي، عام 2022م. كما زودت روسيا الاتحاد الاوروبي بحوالي 25% من واراداته النفطية، في العام الماضي (كانت ألمانيا وهولندا أكبر المستوردين). وبعض دول الاتحاد الاوربي تشكل واردات الطاقة الروسية فيها أكثر من 90% (سلوفاكيا مثالا). وقد رحبت الحكومة الالمانية، على مضض، بقرار الحظر المتدرج، وشرعت، مع عدة حكومات غربية أخرى، في خفض استهلاكها من الطاقة، والبحث عن بدائل للإمدادات الروسية.
****
وما زال الاتحاد الاوروبي يعمل على تخفيض استهلاك الطاقة ببلدانه، وايجاد بدائل “مضمونة” للإمدادات الروسية. ولا يبدو أنه يحقق أي نجاح ملموس، في هذا الاتجاه. حيث إن معظم الاوربيين يعانون الان من مشاكل اقتصادية بالغة الخطورة، بسبب: شح امدادات الطاقة، وارتفاع الاسعار، والبطالة …الخ. بينما لم تعان موسكو كثيرا من العقوبات الغربية. بل ان بعض ايراداتها النفطية شهدت ارتفاعا، رغم انخفاض صادراتها من النفط. من ذلك، ان قيمة واردات الاتحاد الاوروبي من الغاز والنفط الروسي بلغت نحو 44 بليون يورو، خلال أول شهرين من بداية الحرب في أوكرانيا، بينما كانت 140 بليون يورو في العام 2021م بأكمله. والمستغرب أن شركة “جاز ستروم” الروسية اعلنت أن طلبات بعض الاوربيين (الذين لم يشاركوا في الحظر) لاستيراد الغاز الطبيعي الروسي، عبر أوكرانيا، زادت بحوالي 40% عن العام الماضي. ومعروف، أن هناك من دول الاتحاد الاوروبي دولا لم تشارك في الحظر، أو تحفظت بشأنه (المجر، تشيك، سلوفاكيا). حتى أن المجر أعلنت، على لسان رئيسها، انها مستعدة لدفع ثمن الطاقة المستوردة من روسيا بالروبل.
وقد أدى التضخم العالمي الى ارتفاع الأسعار دوليا. الامر الذي خلق مشكلات اقتصادية وسياسية اضافية داخل دول الاتحاد الاوروبي. وبدأت الاصوات الاعلامية والشعبية، وحتى السياسية، تنادى بإيجاد حل… في أسرع وقت ممكن، لهذه “الورطة التي وضعت أمريكا أوروبا فيها”-كما يقول بعض المعنيين الاوربيين. فالعقوبات استهدفت الاقتصاد الروسي. ولكن، يبدو أن المتضرر الاكبر، والحالة هذه، هو الاقتصاد الاوربي.
****
وهكذا، نلاحظ أن العقوبات الغربية، المتمثلة في حظر النفط بخاصة، تضر بكل أطراف هذا الصراع العالمي. بالطبع، هناك أضرارا كبيرة ألحقت بالاقتصاد الروسي، تمثلت في: تأثير الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الغربي الهائل لأوكرانيا، وحظر استيراد الطاقة الروسية، ووقف تقديم الخدمات الاوربية للشركات الروسية المختلفة، وحظر التعامل مع البنوك الروسية الكبرى. الامر الذي عزل هذه البنوك عن التعامل المالي الدولي، وما الى ذلك. ولكن ما تعانيه شعوب أوروبا -اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا-ربما يفوق ما يلحق بروسيا من اضرار، نتيجة حرب أوكرانيا، وموقف الغرب (ناتو، بزعامة أمريكا) في هذه الحرب، التي تتحمل أمريكا مسؤولية اندلاعها.
لقد أمست العقوبات الغربية الكبرى هذه عبارة عن سلاح ذو حدين، بالنسبة لأوروبا بخاصة. ولا يجب تجاهل أن من أهم ما نتج عن موقف أمريكا تجاه روسيا، وهذه الحرب، هو جعل الاتحاد الأوربي أكثر خضوعا، وتبعية، لأمريكا. ورغم كل ذلك، لا يبدو في الأفق ما يشير لقرب وقف هذه الحرب الضروس، وما ينجم عنها من ماس سياسية واقتصادية، واجتماعية، وأمنية كارثية – محليا وإقليميا وعالميا. ولو أخذنا مسألة الطاقة وحدها، وعدم توفرها بشكل مناسب، وكاف، لوجدنا أنها، بالنسبة لأوروبا، دافعا كافيا للعمل على الخروج من هذا النفق، الذي وضعتها فيه الحليفة الكبرى. كما ان الاستمرار في تصعيد الموقف الغربي، هو ضرب من التهور، والتخبط، غير المحمود.
*************************************
