السبت، 10 أكتوبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

عقوق الوالدين بين الماضي والحاضر؟!

بقلم ✍️ دلال راضي 

عقوق الوالدين ظاهرة اجتماعية ليست بالجديدة ولكنها في منتهى الخطورة؛ كونها تمس تلاحم وترابط الأسرة، وتخلخل بنيانها، وتخرج بالأبناء عن قواعد الدين والعرف والإنسانية، ورغم قِدم ظاهرة العقوق إلا أنها بدأت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة بمظاهر سلوكية في غاية العنف، وإن كانت حالات فردية ومحدودة إلا أنها تعد مؤشرًا على وجود خللٍ كبير وانحراف واضح في سلوكيات بعض الأبناء تجاه والديهم، ربما نتيجة مؤثر غير مسبوق، ووجود فراغ فكري وقابلية للتأثر لدى هؤلاء الأبناء.

فالواقع أنَّ أغلب الآباء والأمهات يستطيعون السيطرة على أولادهم تربويًا قبل وصولهم سن البلوغ، لكنهم يصادفون الكثير من العقبات والصعوبات في استمرار هذا النهج وهذه السيطرة عند وصول الأبناء سن المراهقة، وذلك نتيجة لبروز عوامل ومؤثرات جديدة في التربية خاصة في وقتنا الراهن تتزامن مع وصول الأبناء إلى هذه المرحلة الحساسة من العمر، والتي يتم فيها تشكيل الملامح الأولية لتكوين شخصياتهم وتوجههم الفكري والنفسي، فبعد أنَّ كانت الأسرة والمدرسة والمجتمع هي مصادر التربية والفكر بالنسبة للأبناء؛ أصبح هناك مصادر أخرى يتلقى منها الأبناء أفكارهم ومعلوماتهم، ولهذه المصادر دورها الخطير والمؤثر في تشكيل وتكوين ملامحهم النفسية والفكرية، ومن أهم هذه المصادر القنوات الفضائية والإنترنت، وذلك بما تنقله من مشاهد تجسد أسلوب حياة المجتمعات الغربية وما يماثلها من حيث عدم الاهتمام بالأسرة وتلاحمها وإعلاء الحرية الشخصية للفرد على كل الاعتبارات الأخرى بما فيها طاعة الوالدين والبر بهما، الأمر الذي يحجِّم لدى بعض أبنائنا دور المصادر الأساسية والتقليدية للتربية، وبالتالي قد يخلق ظواهر دخيلة على مجتمعاتنا من ضمنها العقوق والعنف ضد الوالدين.

موضوع العقوق طويل وشائك، ويحتاج إلى دراسة اجتماعية عميقة وواسعة، ولكني سأعرج على بعضٍ من أسباب العقوق الملحوظة والأكثر ملامسة ومعايشة من خلال أفراد المجتمع، والتي تحتاج إلى إعطائها حقها في الدراسة والاهتمام، من إبرز هذه الأسباب التفكك الأسري وما ينجم عنه من تضارب في الأساليب التربوية للأبناء بين الأب والأم، وعدم انسجامهما واتفاقهما على اتباع أسلوب مدروس وناجح في تربية الأبناء وتحييد أي خلافات بينهما جانبًا بحيث لا تؤثر على المسار التربوي المرسوم، مع وجوب ترك صلاحيات واسعة للأم، وتغليب وجهة نظرها، كونها أكثر تواجدًا مع الأبناء، وأكثر تفرغًا لهم من الأب، وتعد تربية الأبناء وتنشئتهم على القيم ومكارم الأخلاق والالتزام بالتعاليم الدينية واحترام العادات والتقاليد من مهامها الأساسية، فهي المدرسة الأولى في حياة إبنائها، وكما قيل:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت جيلًا طيب الأعراق.
وبالتالي يجب ألا يلقي أحد الأبوين بالمسؤولية على الآخر عند حصول أي إخفاق في تربية الأبناء، بل يجب التفاهم وتلمس مواضع الخلل، ومن ثم وضع المعالجات السريعة والناجحة بالتوافق والتعاون بينهما، ومن أسباب العقوق الملحوظة كذلك ضعف شخصية الولد وعدم قدرته على الموأمة بين طاعة والدية وحقوق زوجته، الأمر الذي يقوده إلى تفضيل زوجتة على أبويه أو أحدهما وبالذات الأم، وبالتالي الوقوع في العقوق، وكل هذا ناتج بصفة رئيسية عن خلل في بناء شخصية الولد وعدم صقل تجاربه وخبراته، وهو ما يجعله بعد الزواج عاجزًا عن التعامل بطريقة صحيحة ومتوازنة مع أبويه وزوجته، الأمر الذي يجعله يقف في مواجهة الكثير من المشاكل الأسرية المربكة، والتي لا يجد فكاكًا منها إلا بالاستقلال بعيدًا عن الأسرة، الأمر الذي يرهق كاهله بتحمل الكثير من المسؤوليات والنفقات التي هو في غنى عنها.

عمومًا فإن صور العقوق وأسبابه وتداعياته كثيرة ومتعددة، لذلك من المهم التوعية والإشارة إلى عواقب العقوق سواءً على المستوى القريب “الدنيا” أو على المستوى البعيد “الآخرة”، والحاصل أن من يزرع الشوك لا يحصد العنب كما يقولون، فمن يُربي أبناءه على البر والتقوى وصلة الرحم ومكارم الأخلاق، ويسبق ذلك ببره بأبويه أو من أدرك منهما فإنه حتمًا سيجني بر أبنائه له، فكما جاء في الحديث الشريف (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم)، ومن خرج عن هذه القاعدة يبقى في حكم الاستثناء فلكل قاعدة استثناء، فنوح عليه السلام رغم أنه نبي مرسل لم يستطع هداية ابنه ولم يسلم من عقوقه حين أراد إنقاذه من الهلاك الذي سلم نفسه إليه، وصدق الله القائل: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء).

أ. دلال راضي

أ. دلال راضي

43 مقالة
منضم منذ 22 ديسمبر 2023

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *