الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

الشيخ المعيقلي: جعل الله سبحانه وتعالى الإيمان والعمل الصالح، سببا لحصول محبته

عصف الأخبارية–هاله المحمود   

أمّ المسلمين اليوم لصلاة الجمعة في المسجد الحرام فضيلة الشيخ الدكتور ماهر المعيقلي إمام وخطيب المسجد الحرام، واستهل خطبته الأولى قائلاً: معاشر المؤمنين، اتقوا الله ما استطعتم، واستمسكوا بسنة نبيكم، وأصلحوا ذات بينكم، وحافظوا على اجتماع كلمتكم، تفوزوا برضا ربكم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

أمَّة الإسلام: الحديث عن الحب والمحبة، حديث يستهوي القلوب، وله شعور فطري محبوب، فالحبُّ يُضفِي على الحياة بهجة وفرحا، وجمالا ورضا، ويكسُو الروحَ بهاءً وسرورا، والمحبة صفة ثابتة لله جل وعلا، فهو سبحانه يحب عباده المحسنين، ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب المتقين ويحب الصابرين، وجعل سبحانه الإيمان والعمل الصالح، سببا لحصول محبته فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، والوُدُّ: هو خالصُ الحب، وما يزال العبد يتقرب إلى ربه بنوافل العبادات، حتى يحبه، فإذا أحبه، دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.

إخوة الإيمان: والحب فطرة في بني آدم، منذ أن خُلِقَ آدم عليه السلام، وستبقى المحبة على وجه الأرض ما بقي الإنسان، وهي تتفاوت بحسب الداعي إليها، من حب المرء لربه، ودينه ونبيه، وحبه لنفسه ووالديه، وزوجته وأبنائه، وإخوانه وأصحابه، وحبه لوطنه وممتلكاته، وما حوله من مخلوقات ربه، وذكر ابن القيم رحمه الله، أن من منازل إياك نعبد وإياك نستعين، منزلة المحبة، فقال عنها: “هي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها، فهي كالجسد الذي لا روح فيه”، ولما كانت المحبة بتلك المنزلة، جاء الإسلام بتهذيبها، ووصلها بخالقها، فأعظم منازل المحبة وأعلاها، محبة الله وما والاها، فالمحبة في الله، من أسمى أنواع الحب وأجلها، وأعظمها صلة وأوثقها، وأصدقها محبة وأدومها، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل، فيحب المرء أخاه، لما يتَّصِف به المحبوب، من تقوى الله وحُسْن الخلق، وإن تفرَّقت أبدانهم، وتباعدت دُورهم، فالمحبة في الله، هي الصداقة الصافية، والأخوّة الحقة، التي لا تتأثر بالمصالح الدنيوية، كفى بأصحابها سرورا وحبورا، وفخراً وعزا، أن الله جل وعلا، يقربهم يوم القيامة، ويجلسهم على منابر من نور، يغبطهم عليها الأنبياء والشهداء، ففي سنن أبي داود: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ، قَالَ: ((هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ – أي بكتاب الله -، عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ))، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

معاشر الأحبة: المحبة في الله، من أوثق عُرَى الإيمان، ودليل الصدق وأمارة الإحسان، وبها يجد المرء طعم الإيمان، وهي من أحب الأعمال إلى الله، ومن أسباب محبَّته ورضاه، وكما أن المحبة في الله تنفع صاحبها في الدنيا، بالتعاون على الطاعة والبر، والتواصي على الحق والصبر، فإنها في الآخرة، ترفع المحب لمن هو أعلى منه منزلة وإيماناً، وأكثر اجتهادا وعملاً، فالمرء يحشر يوم القيامة، مع مَنْ أحبَّه في الدنيا، فمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأحب من اتبع سنته، واقتفى بآثارهم، حشره الله يوم القيامة في زمرتهم، ففي الصحيحين: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا)). قَالَ: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ))، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ))، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ))، وفي عرصات القيامة، حين يشتد الزحام، ويطول بالناس القيام، والشمس بمقدار ميل من رؤوسهم، ويبلغ العرق منهم بقدر أعمالهم، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، هناك ينادي الله المتحابين بجلاله، وعظمته وخشيته، فيقول: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم: ((وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ))، رواه البخاري ومسلم، فكل منهما محب ومحبوب، اجتمعت قلوبهما على حب علام الغيوب، وقد تكون هذه المحبة الخالصة، بين الرجل وإحدى محارمه، أو بين الرجل وزوجته، أو بين المرأة وأختها.

معاشر الأحبة: الدعاء والإحسان للمحبوب في ظهر الغيب، دليل على سلامة القلب، وهو من ثمرات المحبة والحب، فالداعي يُحسن لأخيه في حياته وبعد مماته، ومن دعا لأخيه فقد دعا لنفسه، ونفع أخاه ونفع نفسه، وأكثر الأصحاب ثوابا عند الله؛ أكثرهم دعاء وإحسانًا لصاحبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يكثر من ذكر حبه خديجة رضي الله عنها، ويدعو ويستغفر لها بعد موتها، وكان يذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، وأكرم صلى الله عليه وسلم عجوزا دخلت عليه في المدينة، فقيل له في ذلك، فذكر بإنها كانت تأتيهم أيام خديجة، وقال: ((إِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ))، أخرجه الحاكم في المستدرك، وفي صحيح مسلم: عَنْ صَفْوَانَ ابْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ، فَأَتَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فِي مَنْزِلِهِ، فَلَمْ أَجِدْهُ وَوَجَدْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ: أَتُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ لَنَا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: ((دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ))، وكم نُقل عن الأئمة الأعلام، بأنهم كانوا يدعون لإخوانهم في صلواتهم، ففي سير أعلام النبلاء: قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لأستغفر لسبعين من إخواني في سجودي، أسميهم بأسماء آبائهم، وقال الإمام أحمد لابن الإمام الشافعي: “أبوك من الستة الذين أدعو لهم في صلاتي”.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه كان غفورا رحيما.

asf1

asf1

4313 مقالة
منضم منذ 17 ديسمبر 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *