سبق أن كتبت مقالا بعنوان:”مدى قوة الدول ومكانة دول مجلس التعاون الخليجي”. وفيه تحدثت عن مدى قوة الدول، وبخاصة تكتل “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”، والدول الست الاعضاء به… مطبقا “مدخلا” مبسطا، لقياس مدى قوة الدول، قياسا تقريبيا. واليوم، نستخدم نفس المقياس، ولكن على المملكة العربية السعودية فقـــط. معروف، ان “الدولة”(The State) – أي دولة- تعرف بأنها عبارة عن: مجموعة كبيرة من السكان، يقيمون -بصفة دائمة- على اقليم معين من الارض، وتنظم أمورهم العامة حكومة ذات سيادة. وأي دولة تعنى وجود كيان ذي قوة. وتظل “قوة ” أي دولة – “الخشنة”، أو الصلبة، أو الأساسية (Hard Power) متركزة أساسا في “العناصر” الستة التالية: – 1 – نوعية وكم السكان، 2 – الموقع الجغرافي والواقع الطوبوغرافي، 3 – الموارد الطبيعية، 4- قدرات السكان التقنية والصناعية، 5 – الإمكانات العسكرية … إضافة إلى أهم هذه العناصر، وهو: نوعية نظام حكمها وإدارتها (النظام السياسي) ومدى استقراره وجودته. وعند محاولة “قياس”مدى قوة أي دولة، على الساحة الدولية (نسبة لأقرانها المعاصرين) تؤخذ هذه العناصر الستة في الحسبان الأول، أساسا واصلا… باعتبارها تكون (مجتمعة) ما يسمى بـ “القوة الخشنة” للدولة، أو قوتها الصلبة أو المادية، الأساسية.
بالإضافة الى ذلك، هناك أيضا “عناصر” هامــــة متفرعـــة أخـــرى لـ “القوة”… وان كانت اقل أهمية، من عناصر القوة الصلبة المذكورة أعلاه. فبالإضافة إلى “القوة الخشنة”، هناك “قوى” أخرى، أهمها:”القوة الناعمة” (Soft Power): وهي عبارة عن: اصطلاح سياسي، يستعمل الآن للإشارة إلى: أن لأي دولة قوة معنوية وروحية… تتجسد في: ما تطرحه وتقدمه من قيم وعقائد ومبادئ وأساليب إنسانية حضارية، وثقافة وأدب وعلم وفن، ومساعدات اقتصادية وإنسانية واجتماعية لغيرها…. تلقى – من قبل الآخرين – الرضا والاستحسان والتقدير، ومن ثم الدعم والتأييد، لمصادرها. إضافة الى مدى التزامها بحقوق الانسان الاساسية، ومدى تطبيقها بخاصة لما يسمى بـ “المبادئ الخمسة المبجلة إنسانيا وعالميا”، والتي تعتبر، في ذات الوقت، حقوقا أساسية للإنسان، وهي: الحرية والعدالة والمساواة، والديمقراطية (الشورى)، والتكافل الاجتماعي … وغير ذلك.
****
وتعرف “حقوق الانسان” بأنها: مجموعة الحقوق الطبيعية التي يمتلكها الانسان بوصفه انسانا، واللصيقة بطبيعته، الملازمة له، مهما حيل بينه وبين التمتع بها. وما أعطى حقوق الانسان هذه الاهمية التي تحظى بها في كل العالم الان، هو وضعها في أنظمة وقوانين محلية ودولية ملزمة، مستندة لمواثيق واتفاقيات ومنظمات داعمة لها بإخلاص. وقد سنت الامم المتحدة معظم القوانين الدولية التي تقر هذه الحقوق، وتكفل حمايتها، انطلاقا من كون هذه المنظمة هي الادارة العالمية التي تعمل لخدمة كل البشرية، والمحافظة على الامن والسلم الدوليين. وقد ورد ذكر حقوق الانسان في سبعة مواضع من ميثاق الامم المتحدة، الذي يعتبر دستور العالم والعلاقات فيما بين دوله المعاصــرة. وأصدرت الامم المتحدة يوم 10 / 12 / 1948م، ما يعرف بـ”الاعلان العالمي لحقوق الانسان”، الذي صاغته لجنة حقوق الانسان بالمنظمة، والذي تبنته كل الدول الاعضاء في هذه المنظمة. وقد اقتبست معظم دساتير دول العالم الكثير من أحكام هذا الاعلان. كما أبرمت عدة مواثيق ومعاهدات، تتضمن الاعتراف الفعلي بحقوق الانسان هذه بكل تفاصيلها، وضرورة احترامها.
ويمكن أن نضيف الى القوتين الصلبة والناعم: التأييد الدولي: المستمد من صداقات وتحالفات دولية معينة، أو يمكن تعيينها، معلنة أو سرية. فقد توجد في بعض الحالات (مثلا) دولة تصنف “صغيرة” على سلم القوة الدولية، ولكنها تحوز، في تلك الحالات، قوة ونفوذ الدولة “الكبيرة”. وذلك بفضل قوتها الذاتية، وبفضل مساندة ودعم دولي من قوى دولية كبرى. ولكدراج هذه القوة ضمن قوة الدولة الناعمة.
****
ان أهم ما يحدد وضع (ومكانة) أي دولة – في الوقت الحاضر – على الساحة الدولية، هو: مدى قوتها، بدءا أولا: بعناصر “القوة الصلبة”، ثم القوة الناعمة. ويظل لـ “القوة الناعمة” تأثيرا كاسحا… يضارع أحيانا، وفى بعض الحالات، إثر وتأثير القوة الخشنة، وغيرها. ولا تكتمل قوة أي دولة، ويستتب وضعها على الساحة الدولية (على أي حال) إلا بتوفر قدر (معقول) من “القوة”، بأنواعها وعناصرها المختلفة، وبشقيها المادي (الخشن) والمعنوي (الناعم). ويمكن، في الواقع، اعتبار أن: تأييد (ورضا) الناس والراي العام عن أي دولة – فيما يتعلق بعناصر قوتها- يعطى الدولة قبولا ونفوذا …. بينما سخط (ومعارضة) الناس والرأي العام، على دولة ما معينة في هذا الشأن، ينقص من قدرها، ويهز مكانتها، ويضعف موقفها…لهذا، فان على الدولة التي تريد حقا حماية وتنمية “مكانتها”، أن تحمى وتنمى قوتها الصلبة، والناعمة كذلك، وتحاول جهدها الحصول على أكبر قدر ممكن من التأييد الدولي الايجابي، وان تتجنب العداوات، بأنواعها.
****
وبناء على مدى قوتها (في العناصر الستة، المشار إليها، اضافة الى ما لديها من قوة ناعمة) تصنف الدول على “سلم القوة الدولية” تنازليا (حسب الأهمية) إلى سبع فئات، هي كالتالي: 1 – الدولة العظمى (القطب/ Superpower) 2 – الدولة الكبرى، 3 – الدولة الكبيرة، 4 – الدولة المتوسطة، 5 – الدولة الصغيرة، 6 – الدولة الصغرى، 7 – الدويلة. وبحيث يمكن تحديد “مكانة” كل دولة في العالم، في تاريخ محدد، على هــذا الأساس. فمدى القوة متغير، من وقت لاخر، ومن حالة لاخرى.
ولا شك أن “نفوذ” أي دولة، ومدى قدرتها على تحقيق أهداف سياساتها، يعتمد على: مدى قوتها، وموقعها على “سلم القوة الدولية”. فكلما علا هذا الموقع، كانت القدرة أكبر، والعكس صحيح. ودائما ما يكون للدولة العظمى النفوذ الأقوى، والتأثير الأوسع في مجريات العلاقات الدولية في وقتها. ويكون للدولة الكبرى قدرة أكبر من قدرة الدولة الكبيرة، وأقل من قدرة الدولة العظمى، وهكذا.
وكل هذا يؤكد أن الدول “تتفاوت” في مدى قوتها، في ظل قانون الغاب الذي يحكم معظم العلاقات الدولية. وهذا التفاوت تترتب عليه نتائج هامة، دون شك، ويختلف من وقت لآخر، ومن حالة لأخرى، سواء فيما بين دول العالم، أو بالنسبة للدولة الواحدة المعنية. وان سلمنا بأن العلاقات الدولية هي “صراع وسعي الدول من أجل القوة”، يصبح هذا التفاوت في قوة الدول، وما يترتب عليه، في ساحة العلاقات الدولية، أمرا طبيعيا، ومتوقعا، وذي تبعات هامة. كما أن “تحليل عناصر قوة الدولة” يمكن أن يكون مدخلا منطقيا لدراسة الوضع العام لدولة ما معينة، او لتكتل دولي معين، كما سوف نرى في مقالنا القادم ، حيث نطبق هذا المدخل على المملكة العربية السعودية، لتحديد مدى قوتها، تحديدا اوليا.
*****************************************
