منذ انهيار المعسكر الماركسي السوفيتي السابق، أغرق العالم في بحر من الرأسمالية (وخاصة المطلقة). وهي المذهب الاقتصادي الذي يعتبره الغرب البديل الأفضل لـ “الماركسية” / الاشتراكية، وخاصة السوفيتية، وغيرها. وبعد حوالي ثلاثة عقود، من هذا السقوط المريع، يثار الآن – في صحافة الغرب، وأوساطه الاكاديمية، وغيرها – تساؤل هام، مفاده : هل العالم اليوم، أفضل (اجتماعيا وأمنياً واقتصاديا وسياسياً) عن ذي قبل ؟!. وبمعنى آخر: ما مدى فعالية هذا الحل الرأسمالي (وخاصة في صورته المتطرفة) وما يتبعه من منظومات سياسية، في التخفيف من : شدة ووطأة “العناء الإنساني” ؟! وما مدى مساهمة ذلك الحل، في تخفيف قسوة “الكبد”، الذي تعاني منه البشرية، كشيء طبيعي، ناتج عن طبيعة “الحياة” ذاتها؟! ما مدى نجاح الوصفة الغربية هذه في التخفيف من حدة “الثالوث الرهيب” (حلقة الفقر- الجهل – المرض) خاصة في العالم النامي؟!
****
يبدو أن الجواب الموضوعي، الذي يقوله معظم المنصفين المعنيين المتابعين، والذي يشير إليه الواقع الفعلي، العالمي والدولي (والذي تؤكده بعض وسائل الأبحاث والثقافة والإعلام الغربية، وغير الغربية) هو: أن العالم ليس بأحسن، من ذي قبل … إن لم يكن أسوأ مما كان عليه، منذ ثلاثين سنة خلت. لان التطورات (السياسية- الاقتصادية) التي حصلت منذ العام 1991م حتى الان، لم تحمل أي مفاجأة ايجابية وسارة تذكر.
فسياسياً، مازالت مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، بعيدة عن متناول كثير من شعوب الأرض، ومازالت الكثير من الصراعات دون حل منطقي، بل إن هناك صراعات كثيرة، نشأت، وتفاقمت، بسبب الظروف “الجديدة”. كما اشتعلت، أو أشعلت، حروباً عرقية واستعمارية، خفية وعلنية، لا حصر لها… ومازالت بعض شعوب العالم (وفي مقدمتها : الشعب العربي الفلسطيني) محرومة من “حق تقرير المصير” … وحتى من حق البقاء في بلادهم، وغير ذلك، من المآسي المعروفة، والمألوفة في الوقت الحاضر.
أما اقتصاديا، فقد ازداد الفقراء فقراً، على فقرهم … وازداد أكثر الأغنياء غناً وتخمة، وسطوة ونفوذا … وارتفعت مديونية كثير من دول العالم النامي، وتدنت درجة نموها الاقتصادي، وكثرت المجاعات، وزاد معدل البطالة، وتفاقمت المشاكل، الناجمة عن: ازدياد الفقر، وتصاعد معدلات البطالة، في كثير من دول العالم النامي، بخاصة. وشهد العالم، منذ العام 1991م، ارتفاعا مرعباً، في نسب التضخم، ومستويات الغلاء والأسعار، وفروق العملات …الخ.
****
واجتماعيا، تأثرت الكثير من القيم “الطيبة”، بالسلب، وطغت المادة أكثر على العلاقات الاجتماعية، وتدهور مستوى الصحة، وانتشرت بعض الأوبئة والأمراض المهلكة الغامضة، وكثر النفاق الاجتماعي، والتكالب على المظاهر الفارغة، وزادت مظاهر “تقليد الأغنياء” … وتصاعد الإقبال على تعاطي المخدرات، وأسبغت المشروعية على الشذوذ الجنسي، وتدمير الاسرة… إلخ.
أما أمنياً، فمازالت أسلحة الدمار الشامل تهدد البشرية كلها بالفناء … وتعثرت كثير من اتفاقيات حظر التسلح. وجمدت بعض اتفاقات التعاون الدولي. وأضحى شبح الحرب العالمية الثالثة أكثر حضورا. وما طفقت مصانع الأسلحة تتبارى في إنتاج الأسلحة الجديدة والمطورة، والفتاكة، وتزيد من درجة فعاليتها، في القتل والدمار، يوماً بعد يوم. وازداد تجار الحروب سطوة وشراهة. وانتشرت الجريمة، والجريمة المنظمة، وغسيل الاموال… وتصاعدت ظاهرة “الإرهاب”، وإرهاب الدول، بشكل لم يسبق له مثيلاً من قبل….
****
يعايش الناس هذه التطورات، في الوقت الذي تحاصرهم فيه مظاهر “الاستهلاك الشره”، من كل جانب …إذ زادت (مثلاً) الإعلانات عن البضائع والخدمات المختلفة… وتصاعدت درجة توفر تلك البضائع والخدمات. جنبا الى جنب مع تواجد البطالة، وتفاقم الفقر. ولا شك أن الخاوية جيوبهم لن يستطيعوا عمل أكثر من قراءة تلك الإعلانات، والتأمل في تصميماتها المبتكرة … وربما شراء شيء من المرطبات، والأطعمة السريعة، فقط.
هذه الدعايات الكثيفة، إذاً، وضعت لجذب القادرين … وعددهم أصبح في تناقص مستمر، في كثير من دول العالم، وخاصة النامي. وتواصل ترويج الكثير من الشعارات البراقة … الصادرة من المستفيدين من هذه التغيرات، هذه المرة. أصبحت أهم أسباب هذا الواقع العالمي معروفة. وعندما تعرف “الأسباب” يعرف “العلاج” … والسؤال الذي يجب أن يطرح غالبا في هذا السياق، هو : من، من القوى الدولية العظمى والكبرى المتنفذة الان، سيكترث بالتفكير في “العلاج”، ناهيك عن تبنيه، وتطبيقه؟!
يبدو أن تحكم “المصالح”، والانانية الدولية المفرطة ستظل أحد أكبر عوائق التعاون الدولي لصالح الإنسانية، وأمنها وسلامها، واستقرارها. إضافة لكونها أكبر عائق أمام العمل الدولي المشترك، من أجل سلامة ورفاه هذه الإنسانية المسكينة.
***************************************
حال العالم (1991م – الآن) : تشخيص عــــام…؟!
