الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 أسسها المغفور له بإذن الله أحمد أبوالنجا عام 2021 ترخيص رقم: 110638

العالم بعد ثلاثة عقود من تسيد الرأسمالية الحالية… ؟!

لم يتأسف معظم الناس، حول العالم، عندما انهار التطبيق السوفيتي للماركسية/الاشتراكية، في شرق أوروبا، وفيما كان يعرف بـ “الإتحاد السوفيتي”، في عام 1991م، وفي أجزاء أخرى من الأرض. سقط ذلك التطبيق – وانهارت “الشيوعية” المنسوبة إليه – نتيجة لعدة عوامل، أهمها : كون الإدارة العليا لذلك التطبيق: ديكتاتورية مفروضة، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. هذا، بالإضافة إلى “خيالية” الفكرة الماركسية، وحرب “الغرب” (الرأسمالي) الضروس ضدها.
أما “الاشتراكية”، وبخاصة “الاشتراكية الديمقراطية”، فيبد أنها وجدت لتبقى… وبعض أنصارها يحكمون – الآن – دولاً كثيرة، منها بعض دول العالم الغربي. ويندر أن يوجد برلمان في العالم، لا يضم عدداً كبيراً من النواب “الاشتراكيين”… (الحزب الديمقراطي الأمريكي – مثلاً – هو – في الواقع – حزب شبه اشتراكي، وكذلك “حزب العمال” البريطاني). وبعض المتحمسين للمبدأ الاشتراكي يقولون: (أن الاشتراكية الديمقراطية ستظل مفضلة، وخير كابح لغلو الرأسمالية). ويشيرون الى تواجد عدة أحزاب اشتراكية، في كل بلد يسمح بوجود الأحزاب السياسية، للتدليل على صحة مقولتهم هذه.
وأكثر من هلل لانهيار التطبيق السوفيتي لـ “الماركسية”، كان – بالطبع – الرأسماليون، في كل مكان، وخاصة في العالم الغربي. ولم يكتف هؤلاء بالتهليل وإعلان الابتهاج، لغروب التطبيق السوفيتي للماركسية، وانهيار الاتحاد السوفييتي نفسه، بل أخذوا، منذ ذلك الحين، يتغنون بكل ما يمت بصلة للرأسمالية، ويبشرون العالم بميلاد عهد جديد… (أسماه بعضهم : “النظام العالمي الجديد، القائم على الازدهار واحترام القانون، وحقوق الانسان” ؟!).
****
حاول أولئك (ومازالوا) إقناع البشرية بأن: “الرأسمالية (غير المقيدة) … هي الطريق”. ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل أن غلاة الرأسمالية ومازالوا يحاولون “فرض” الحل الرأسمالي (المتطرف في رأسماليته) على كل العالم … ناسين – أو متناسين – أن الرأسمالية المطلقة (الخالية من الضوابط والقيود اللازمة) ليست بأفضل– كثيراً-من غيرها، من المذاهب الوضعية. وقد شهد مفكرو الغرب، قبل غيرهم، بذلك.
وانبرى عتاة هذا الاتجاه لإقناع العالم بأن أهم وسائل الرأسمالية (وهي: “الخصخصة”) هي شيء لابد منه، إن كان المطلوب هو: “الرفاه” و”التقدم”… لذا، اجتاحت العالم موجة محمومة من الخصخصة، التي لم يكن لبعضها من مبرر سوى: مجاراة القوى، وتضخيم “ثروة” أساطين المال، والنفوذ… ورفع درجة سيطرتهم على اقتصاد (وسياسة) شعوبهم.
****
والآن، وبعد انهيار النموذج السوفيتي (الماركسي) عقب فشله الذريع، اقتصاديا وسياسيا، لابد (مع تذكر المآسي التي جلبتها الماركسية السوفيتية، لشعوب عديدة، على مدار أكثر من نصف قرن) من التساؤل عن : ماذا استفاد العالم، من البديل اللاحق ؟! هل الأمن والسلام الدوليين أصبحا أكثر استتبابا، من ذي قبل ؟! هل خفت حدة حلقة “الفقر – الجهل – المرض” في العالم، أو في معظمه، وزادت فرص الرفاه ؟! وبمعنى آخر: هل العالم أفضل – اجتماعيا وأمنياً واقتصاديا وسياسياً – في ظل سيادة المذهب الرأسمالي وأنصاره، وخاصة بشقه المتطرف؟!
ان اغلب المراقبين المنصفين المعاصرين، للنظام العالمي (الاقتصادي – السياسي) الراهن، والمعايشين له، لديهم إجابات سلبية (في معظمها) على هذه التساؤلات. فمنذ حوالي ثلاثة عقود، لم يشهد العالم تطورا عالميا مبهجا يذكر، في المجالين الاقتصادي والسياسي، بل تضاعفت معاناته، وزاد كبده، وتفاقمت أعبائه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك : تدهور دور منظمة “الأمم المتحدة” في استتباب الأمن والسلم والرفاه العالمي، وتحول هذه المنظمة إلى أداة لتنفيذ سياسات دولية سلبية وقاهرة. ومع ذلك، لنحاول استقراء واقع العالم، في هذه الفترة، لمعرفة بعض تفاصيل هذا الجواب، بصفة جد عامة، سواء من هذا الواقع العالمي ذاته، أو ممن يمكن اعتبارهم “مراجع” … أي بعض المفكرين المعبرين عن أحواله، والمتحدثين بآماله وآلامه.
****
لا شك أن بعض سياسات الولايات المتحدة، التي ما زالت توصف بأنها زعيمة العالم الرأسمالي “الحر” ؟! والتطرف الرأسمالي الغربي، ساهمت في نشوء كثير من هذه الأوضاع الكونية البائسة. اذ يؤخذ على هذه السياسات، أو بعضها، اتسامها بالانتهازية وبالإمبريالية، المتمثلة في الرغبة الجامحة في السيطرة على العالم (بكل الطرق، المشروعة وغيرها) والادعاء بحماية مبادئ : الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية، في الوقت الذي تقف فيه – بالفعل – ضد هذه المبادئ، في بعض الحالات. إضافة إلى تحالفها مع الحركة الصهيونية العنصرية، ولجوؤها (وحلفاءها) المستمر لازدواجية المعايير، وإشعال الفتن والحروب. الأمر الذي أساء حتى للمصالح الأمريكية العليا، في المدى الطويل، وأكد تعثر أمريكا في “قيادة” العالم نحو الأمن والسلم الحقيقيين، واتجاه التنمية الايجابية المستدامة، التي الإنسانية في أمس الحاجة لها.
****
ومع ذلك، يجب ألا تلام الرأسمالية المطلقة وحدها فيما حصل بالعالم، من تدهور سياسي واقتصادي وأمنى، وفي مستوى الرفاه الاجتماعي، في كثير من دول العالم النامي بخاصة. كما يجب ألا يغمط الرأسماليين حقهم، فيما تم على أيديهم، من بعض الإنجازات التقنية والعلمية والاقتصادية الكبرى، التي عاد نفعها على كل البشرية. ورغم ذلك، لا يمكن القول بأن: العالم بات” أفضل”، من ذي قبل … بعد تسيد الرأسمالية (وما يتعلق بها) في هذه المرحلة، التي إن أحسنَّا الظن بها، فلابد من القول إنها لم تتمكن من التخفيف من وطأة متاعب ومشاكل إنسان العالم المعاصر. وهذا ربما يؤكد تفوق (وفعالية) الحل القائم على “التوسط” والاعتدال (لا ضرر ولا ضرار) والمؤكد على مصلحة الجماعة أولاً. وهو الحل الذي يدعو الإسلام الحقيقي إليه. ويبدو أن المذهب الوسطي في طريقه للتبني، بعد معاناة قاسية من المذاهب المتطرفة في تحمسها، إما للجماعة (على حساب الفرد)، أو للفرد (على حساب الجماعة).
****
نعم، هناك أسبابا أخرى للوضع الاقتصادي- السياسي العالمي المتردي. فمن غير الإنصاف أن يرد هذا الوضع إلى بعض السياسات الأمريكية والغربية فقط. فهناك “أسباب” كبرى أخرى أشد ضراوة، من أهمها : الانفجار السكاني العالمي… وشح الموارد الطبيعية الراهنة، بالعالم، لمقابلة هذه الزيادة الهائلة في السكان، وخاصة في بلاد العالم النامية. أضافة إلى : سوء الإدارة، والفساد… الذي استشرى في اغلب العالم. والسؤال الذي يجب طرحه الان، هو: هل النظام العالمي الجديد (متعدد الأقطاب) قادر على تجاوز هذه العقبات؟! لا جواب حقيقي على هذا التساؤل، الا ربما بعد سنوات من الان.
***********************************

أ.د/ صدقة يحي فاضل

أ.د/ صدقة يحي فاضل

178 مقالة
منضم منذ 18 يناير 2021

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *